تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
وإمّا أنت من أهل الغفلة لا بصيرة لك تبصر الحقائق ، ولا همّة لك تبعث على المكارم ؛ فحسبك أنّ الدّنيا لا تبقى :
شرح
عذاب يستقل ماله ، ولا يستقل عمله ، ومن كلام سيدي الحبيب محمد بن حسن جمل الليل . قلت مرة أين الناس أين الناس ؟ فهتف بي هاتف راحوا في الكاس راحوا في الكاس ، والكاس حب الدنيا ، وللّه در سيدنا الحبيب عبد اللّه الحداد في قوله :وازهد بقلبك في الدار التي فتنت * طوائفا فرأوها غاية العجب تنافسوها وأعطوها قوالبهم * مع القلوب فيا للّه من عجب وهي التي صغرت قدرا وما وزنت * عند الإله جناحا فالحريص غبي وخذ بلاغك من دنياك واسع به * سعى المجد إلى مولاك واحتسب واعلم بأن الذي يبتاع عاجله * بآجل من نعيم دائم يخبوالكلام في ذمها من الآيات والأحاديث والنظم والنثر كثير جدا ، ويكفى فيه قوله صلّى اللّه عليه وسلم « حب الدنيا رأس كل خطيئة » . وقد اتفق أهل الملل على ذم حبها حتى روى أن بعض أهل الكتاب حبروا راهبا من الكنيسة فقيل لهم في ذلك فقالوا إنا وجدنا في طرف ثوبه درهما مربوطا فالشر كله في حبها وامتزاجه بطينة الآدمي كامتزاج الأرواح بالأجساد . قال عليه الصلاة والسّلام « لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى إليهما ثالثا ، ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » نسأل اللّه التوبة علينا وعلى جميع المسلمين والإماتة على الإسلام سالمين من فتنتها مبغضين لها بمنه وكرمه . قال في النصائح : ثم اعلم أن الدنيا عبارة عن كل ما على وجه الأرض من المشتهيات واللذات وأصناف الأمتعة التي تشتهيها النفوس وتميل إليها وتحرص عليها وقد جمع اللّه أصولها في قولها« زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ »الآية ، فمن أحب ذلك واشتد حرصه عليه وليس له غرض فيه إلا مجرد التمتع والتلذذ صار من جملة محبيها فإن أفرط حتى لم يبال من أين يأخذ من حل أو حرام واشتغل بسببه عما فرضه اللّه عليه وقع فيما حرم اللّه عليه من معصيته وتحقق في حقه الوعيد الوارد في المحبين لها بلا شك وصار أمره في نهاية الخطر إلا أن يتداركه اللّه بالتوبة قبل مماته وخروجه من هذه الدار انتهى بمعناه ( وإما أنت من أهل الغفلة ) أي الجاهلين ( لا بصيرة لك تبصر ) أي تلك البصيرة ( الحقائق ولا همة لك تبعث ) أي تحمل تلك الهمة ( على المكارم ) أي مكارم الأخلاق ( فحسبك ) إن كنت منهم ( أن الدنيا لا تبقى ) بل تفنى لأنها دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادى من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له ، ولها يسعى من لا يقين له هكذا ورد في الخبر ، ولذلك قال عيسى بن مريم عليه السّلام « يا بني آدم لدوا للموت وابنوا للخراب تفنى نفوسكم وتبلى دياركم » . وقد قيل في معنى ذلك :له ملك ينادى كل يوم * لدوا للموات وابنوا للخراب