سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 11
وأمّا الخلق : فحسبك فيهم أنّك لو خالطتهم ووافقتهم في أهوائهم أثمت وأفسدت أمر آخرتك ، وإن خالفتهم تعبت بأذيّاتهم وجفواتهم وكدّرت عليك أمر دنياك ، ثمّ لا تأمن أن يلجئوك إلى معاداتهم ومناوأتهم فتقع في شرّهم ، ولأنّهم إن مدحوك وعظّموك أخاف عليك الفتنة والعجب ، الموت « والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على اللّه عز وجل المغفرة » . وروى عن سيدنا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسّلام أنه قال : ليس العجب ممن هلك كيف هلك ولكن العجب ممن نجا كيف نجا : يعنى أن الجنة قد حفت بالمكاره ، والنار قد حفت بالشهوات ، وإن في كل نفس شيطانا يمثل إليه . وملكا يلهمه ولا يزال الشيطان يزين ويخدع ، ولا يزال الملك يمنعه ، فأيهما كانت النفس معه كان هو الغالب ، واللّه أعلم . [ الكلام في عداوة الخلق ] ( وأما الخلق ) أي أكثرهم ، وإنما أولنا كذلك لأن من يدلك على اللّه مقاله بأن تكون همته متعلقة باللّه مرتفعة عن المخلوقين لا يلجأ في حوائجه إلا إلى اللّه تعالى ، ولا يتوكل في أموره إلا عليه سبحانه وتعالى قد سقط اعتبار الناس من عينه فلا يرى منهم ضرا ولا نفعا ، وسقطت نفسه من عينه فلا يشاهد لها فعلا ولا يقتضى لها حظا ، ويكون في أعماله كلها جاريا على مقتضى الشرع من غير إفراط ولا تفريط ، فصحبة من هذه حاله ، وإن قلت عباداته ونوافله مأمونة الغائلة محمودة العاقبة جالبة لكل فائدة دينية ودنيوية ، لأن الطبع يسرق من الطبع ، والنفس مجبولة على حب الاقتداء بمن تستحسن حاله ، ولا يشترط في المصحوب اتصافه بتلك الصفات على غاية الكمال والتمام ، فإن ذلك متعذر ، وإنما يشترط فيه أن يتصف منها بما يفوق صاحبه فقط بحيث يكون أعلى منه حالا وأصوب منه مقالا . ومن لم يكن على هذا الوصف ، وكان شأنه المعاملة بالظاهر لا غير فليس له فائدة في صحبته بل ربما زادته شرا ، لأن خلطته تدعوه إلى الصنع له والتزين ويؤديه ذلك إلى كبائر معاصي القلوب وهي أشد عليه من معاصي الجوارح بكثير . قال يوسف بن الحسين الرازي رحمه اللّه لأن ألقى اللّه بجميع المعاصي أحب إلي من ألقاه بذرة من التصنع فيدخل بذلك عليه النقص في حاله من حيث رجاء الزيادة فيها ( فحسبك فيهم أنك لو خالطتهم ووافقتهم في أهوائهم ) وأغراضهم ( أثمت وأفسدت أمر آخرتك ) فتكون من الهالكين ( وإن خالفتهم ) في أهوائهم ( تعبت بأذياتهم ) أي بمقاساتها ( وجفواتهم ) وإعراضهم عنك بالكلية ( وكدرت عليك أمر دنياك ثم لا تأمن ) من ( أن يلجئوك ) أي يضطروك ( إلى معاداتهم ومناوأتهم ) مرادف لما قبله ، في لسان العرب المناوأة : المعاداة ، كذا في سراج السالكين ( فتقع في شرهم ولأنهم إن مدحوك ) وأثنوا عليك بسبب الإحسان الذي صدر منك ( وعظموك ) بسبب جاهك أو مالك أو ما يختص بك من الصفة الجميلة ( أخاف عليك الفتنة والعجب ) وغيرهما من الصفات المهلكات