تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
وإن ذمّوك وحقروك أخاف عليك الحزن تارة والغضب لغير اللّه أخرى ، وكلا الأمرين آفة مهلكة ؛ ثمّ اذكر حالك معهم بعد ما صرت في القبر بثلاثة أيّام كيف يتركونك ويهجرونك وينسونك ، ولا يكادون يذكرونك كأنّك لم ترهم يوما ولم يروك ، فلا يبقى هنالك إلّا اللّه سبحانه ، أفلا يكون من الغبن العظيم
شرح
وكان النوري رحمه اللّه يقول : من عاشر الناس داراهم ، ومن داراهم راآهم ومن راآهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا .

[ حكاية بين لقمان وابنه تدل على أن شأن الناس صعب جدا ]

وفي الحكاية المذكورة عن لقمان وابنه تنبيه على أن شأن الناس صعب جدا ، ذكر أن لقمان دخل ذات يوم السوق وهو راكب حمارا وابنه يسوقه ، فقال الناس حين رأوه شيخ لم يشفق على صبي ، فأركبه خلفه ، فقالوا : اثنان على حمار هلا زاد ثالثا ، فنزل لقمان وبقي الولد ، فقالوا شيخ ماش وصبي راكب ، فنزل الولد يمشى مع والده وساقا الحمار جميعا ، فقالوا حمار فارغ وهذان يسوقانه ، وكان غرض لقمان بهذا أن يرى ابنه شأن الناس مع من يراعى نظرهم ، فإنه لا يسلم منهم على أي حالة تكون ، فرضى الناس غاية لا تدرك ، وأحمق الناس من طلب ما لا يدرك ، فهذا حال من انقاد إلى الأوهام من ضعفاء العقول وسخفاء الأحلام ، وأما من كان له عقل وافر وعلم فاخر فلا يميل إلا إلى ما هو حق ووجود صدق وهو ما من اللّه إليه من نظر وإقبال وجزيل عطاء وعظيم نوال فهو يعمل فيما يؤديه إلى هذه المطالب من غير اكتراث بذم ذام أو عتب عاتب ، ويقول ما قاله محمد بن أسلم رحمه اللّه : مالي ولهذا الخلق كنت في صلب أبى وحدى ثم صرت في بطن أمي وحدى ثم دخلت الدنيا وحدى ثم تقبض روحي وحدى فأدخل في قبرى وحدى ويأتيني منكر ونكير فيسألانى وحدى ، فإن صرت إلى خير صرت وحدى ، وان صرت إلى شر صرت وحدى ، ثم أوقف بين يدي اللّه وحدى ، ثم يوضع عملي وذنوبي في ميزاني وحدى ، فإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدى ، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدى فما لي وللناس ؟ ( وإن ذموك وحقروك أخاف عليك ) الهم و ( الحزن تارة و ) أخاف ( الغضب لغير اللّه تعالى ) تارة ( أخرى وكلا الأمرين ) المذكورين من العجب والغضب لغير اللّه ( آفة مهلكة . ثم اذكر ) أنت ( حالك معهم ) أي الخلق ( بعد ما صرت في القبر بثلاثة أيام كيف يتركونك ويهجرونك ) مرادف لما قبله كما هو ظاهر ( وينسونك ولا يكادون يذكرونك كأنك ) في الدنيا ( لم ترهم يوما ولم يروك ) أصلا ( فلا يبقى هنالك ) أي في القبر ( إلا اللّه سبحانه ) أي غفرانه ورحمته إن كنت من السعداء المقبولين أو عذابه وعقابه إن كنت من الأشقياء المردودين ( أفلا يكون من الغبن ) أي النقص ( العظيم ) في المختار غبنه في البيع : خدعه وبابه ضرب ، وقد غبن فهو مغبون . وغبن رأيه من باب طرب إذا نقصه