فَهُوَ حَسْبُهُ )
وقال الصّادق الأمين صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو توكّلتم على اللّه حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطّير تغدو خماصا وتروح بطانا ،
شرح
يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه ( فهو حسبه ) كافيه في الدارين ( وقال الصادق ) في خبره ، فقد ورد في الحديث الصحيح تسميته بالصادق المصدوق . وروى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كذبه قومه حزن ، فقال له جبريل إنهم يعلمون أنك صادق ، وصدقه صلّى اللّه عليه وسلّم واجب لوجوب عصمته وثبوت أمانته وما فطر عليه من الطهارة والنزاهة والتقديس وعلو الهمة وعظم الأخلاق وكرم الأعراق وشدة الحياء وحصافة العقل وجزالة الرأي وغير ذلك من موجبات صدقه صلّى اللّه عليه وسلّم . والصدق هو مطابقة الخبر للواقع في نفس الأمر ، وقيل مطابقته للاعتقاد ، وقيل مطابقته لهما معا ( الأمين صلّى اللّه عليه وسلّم ) فقد كان عليه الصلاة والسّلام يعرف به وشهر به قبل النبوة وبعدها وكانت قريش تسميه صلي اللّه عليه وسلم قبل البعثة محمدا الأمين . وفي الحديث « إني لأمين في الأرض وأمين في السماء » ، وقد سماه اللّه أمينا فقال « مطاع ثم أمين » إذا قلنا إن المراد به صلّى اللّه عليه وسلم ، لا جبريل عليه السّلام ، فهو أمين اللّه على وحيه ودينه ، وهو أمين في السماء والأرض ، وفي الدر المنظم للعزفى : وأما اسمه أمين فهو الذي يلقى إليه بمقاليد المعاني ثقة بقيامه عليها وحفظها وقد تقدم بيانه . وقال فيما تقدم : وأما اسمه الأمين فإنه حفظ ما أوحى إليه وما كلف علمه وتبليغه وكان اسمه في الجاهلية الأمين لثقته وأمانته ونزاهته عن الخيانة انتهى ، وكلامه في الأسماء كله أو جله لابن العربي . وقال غيره : الأمين قيل معناه الأمين في نفسه من عقاب ربه إشارة إلى ما بشره به ربه عز وجل في سورة الفتح حيث قال« لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ »الآية فسمى بما يناسب قدره ، وقيل معناه الأمين فيما جاء به عن ربه من أمره ونهيه ووعيده ، بدليل المعجزات الظاهرة على يديه النازلة منزلة قول ربنا عز وجل « صدق عبدي في كل ما يبلغه عنى » فسمى لهذا المعنى بما يناسب حقيقته ( لو توكلتم على اللّه حق توكله ) بأن تعلموا يقينا أن لا فاعل إلا اللّه ، وأن كل موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع من اللّه ثم تسعون في الطلب على الوجه الجميل ( لرزقكم كما يرزق الطير ) بضم المثناة التحتية علي صيغة المجهول : زاد في رواية « في جو السماء » ( تغدو ) أي تصبح من أوكارها ( خماصا ) جمع خميص : أي ضامرة البطون من الجوع ( وتروح ) أي تعود مساء إلى أوكارها ( بطانا ) جمع بطين : أي ممتلئة البطون ، وإنما مثل بالطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير إلى أوكارها ومراكزها ، فأخبر بأن الرزق في التوكل على اللّه لا بالحيل والعلاج . وفي سراج السالكين فالكسب ليس برازق ، بل الرازق هو اللّه ، فأشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل . بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب ، لأن الطير ترزق بالطلب والسعي ، ولهذا قال أحمد : ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب بل فيه ما يدل على طلب