سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 83
تهمة الرّزق حوّلت وجوههم عن القبلة . وذكر لي بعض أصحابنا رحمه اللّه تعالى أنّه رأى رجلا من أهل الصّلاح فسأله عن حاله ؟ فقال : هل سلمت بإيمانك ؟ فقال إنّما يسلم الإيمان للمتوكّلين ، القبلة ( تهمة الرزق ) ولم يفوضوا أمره إلى ربهم ( حولت وجوههم عن ) استقبال ( القبلة . وذكر لي بعض أصحابنا رحمه اللّه تعالى أنه رأى رجلا من أهل الصلاح فسأله عن حاله ) أي الرجل الصالح ( فقال ) بعض أصحابنا ( هل سلمت بإيمانك ؟ فقال ) الرجل ( إنما يسلم الإيمان للمتوكلين ) وما لم يكمل الإيمان بأن لا فاعل إلا اللّه ، ولا رازق سواه ، وأن كل ما يقدره سبحانه على العبد من فقر وغنى ، وموت وحياة ، وقبض وبسط ، فهو خير له مما يتمناه العبد لم يكمل حال التوكل فمبنى التوكل على قوة الإيمان بهذه الأمور ، وكذا سائر مقامات الدين من الأقوال والأعمال تنبنى على أصولها من الإيمان . [ التوكل مقام مفهوم ولكن يستدعى قوة القلب وقوة اليقين ] وبالجملة فالتوكل مقام مفهوم ولكن يستدعى قوة القلب وقوة اليقين ، ولذلك قال التستري رحمه اللّه تعالى : من طعن على التكسب فقد طعن على التوحيد ، وقد بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى الخلق وهم أصناف كما هم اليوم : منهم التاجر والصانع والقاعد ومن يسأل ، فما قال للتاجر اترك تجارتك ، ولا قال للقاعد اكتسب ، ولا نهى السائل عن أن يسأل ، بل أمر أن يعطى ، ولكن بالايمان واليقين في جميع أحوالهم وتركهم مع اللّه في التدبير فعمل كل واحد بعمله ، كذا ذكره صاحب القوت . وأورده القشيري في الرسالة بعبارتين : الأولى قال سهل : التوكل حال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والكسب سنته . والثانية سمعت أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت عبد اللّه ابن علي يقول : سمعت أحمد بن عطاء يقول : قرأت على محمد بن الحسين . قال سهل بن عبد اللّه من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ؛ ومن طعن في التوكل فقد طعن في الايمان انتهى . والمراد بحاله صلّى اللّه عليه وسلّم في القول الأول أن يكون السابق لقلب العبد في تحصيل مقصوده على اللّه ، وسنته أن يكون السابق لقلب العبد العاجز عن الحال المذكور في تحصيله مقصوده اعتماده على الكسب المعتاد من حيث إنه سنة اللّه ورسوله جرت به كما هو العادة في ربط المسببات في الأسباب مع اعتقاده أن الفاعل هو اللّه تعالى وأنه لا فعل للأسباب ، والمراد بالحركة في القول الثاني الكسب والمراد بالطعن في السنة الانكار بما جرت بذلك كحفر الخنادق ؟ ولبس الدرع والتحصن وحمل الزاد في الأسفار ! وقد قال تعالى « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ » الآية والمراد بالطعن في التوكل أن يقول إن المقدر يحصل بفعل اللّه وبفعل غيره وكونه طعنا في الإيمان أو التوحيد حيث أشرك معه تعالى في الفعل غيره ، كذا قاله العلامة الزبيدي . قال صاحب القوت وأخبرني أبو موسى قال : سمعت الحسين بن يحيى يقول : سأل رجل شيخنا ابن سالم أنحن متعبدون بالكسب أو بالتوكل ؟ فقال التوكل حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والكسب سنته