سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 84
نسأل اللّه تعالى أن يصلحنا بفضله ، وأن لا يؤاخذنا بما نحن أهله ، إنّه أرحم الرّاحمين ، فهذه هذه . فإن قلت : فأخبرنا ما حقيقة التّوكّل وحكمه وما يلزم العبد منه في أمر الرّزق ؟ فاعلم أنّه يتبيّن لك هذا في أربعة فصول : بيان لفظ التّوكّل ، وموضعه ، وحدّه ، وحصنه . فأمّا اللّفظ : فإنّما هو توكّل تفعّل من الوكالة ، فالمتوكّل على أحد هو الّذى وإنما سن لهم الكسب لضعفهم حين سقطوا عن درجة التوكل فأباح لهم طلب المعاش بالمكاسب الذي هو سنته ولولا ذلك لهلكوا . وأما ابن عطاء فإنه كان يقول : ليس التوكل لزوم الكسب ولا تركه إنما التوكل طمأنينة في القلب إلى اللّه تعالى . وقال أبو يعقوب السوسي : لا تطعنوا على أهل التوكل فإنهم خاصة اللّه سكنوا إلى اللّه واكتفوا به واستراحوا من هموم الدنيا والآخرة ، وقال من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به ، ومن أحب أهل التوكل فقد أحب اللّه ( نسأل اللّه تعالى أن يصلحنا بفضله ) وإحسانه ( وأن لا يؤاخذنا بما نحن أهله ) من الخطايا ( إنه أرحم الراحمين ) وأكرم الأكرمين ( فهذه ) الجملة ( هذه ) أي عظيمة . [ حقيقة التوكل وحكمه وما يلزم العبد منه في أمر الرزق ] ( فإن قلت : فأخبرنا ما حقيقة التوكل وحكمه وما يلزم العبد منه ) أي من التوكل ( في أمر الرزق ؟ فاعلم ) هداك اللّه تعالى ( أنه ) أي الحال والشأن ( إنما يتبين ) أي يظهر ( لك هذا ) أي الذي سألته من حقيقة التوكل وغيرها ( في أربعة فصول ) الأول في ( بيان لفظ التوكل . و ) الثاني في ( موضعه . و ) الثالث في ( حده . و ) الرابع في ( حصنه ) أي حصن التوكل الباعث عليه ( فأما اللفظ فإنما هو توكل ) وهو ( تفعل ) مشتق ( من ) لفظ ( الوكالة ) بفتح الواو والكسر لغة فيه ، يقال وكل أمره إلى فلان من باب وعد ، وكلا بالفتح ووكولا بالضم : أي فوضه إليه واعتمد عليه فيه واكتفى به ، ويسمى الموكل إليه وكيلا فهو فعيل بمعنى مفعول ، وقد يكون بمعنى فاعل إذا كان بمعنى الحافظ ، ومنه قوله تعالى « وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » وجمع الوكيل الوكلاء ، ويسمى المفوض إليه متكلا عليه ومتوكلا عليه كلاهما بمعنى ، إلا أن الاتكال من باب الافتعال ؛ والاسم منه التكلان بالضم ، والتوكل من باب التفعل كما تقدم ، وذلك مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصيره ولم يعتقد فيه عجزا ولا قصورا ، فهذه المعاني لازمة للمفوض إليه ، فالتوكل حينئذ عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ووثوقه به ( فالمتوكل على أحد هو الذي