شرح
منه الرخصة في أمل الحياة أربعين يوما ، وهذه درجة المتقين . والثالثة أن يدخر لسنته وهي أقصى المراتب والدرجات في الرخصة وهي رتبة الصالحين من خواص المؤمنين ، ومن زاد في الادخار على هذا القدر فهو واقع في غمار العموم من المؤمنين خارج عن حيز الخصوص بالكلية ، فغنى الصالح الضعيف في طمأنينة قلبه وفقد يقينه في قوت سنته ، وغني الخصوص في أربعين يوما ، وغنى خصوص الخصوص في يوم وليلة . وقد قسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لنسائه على مثل هذه الأقسام فبعضهن كان يعطيها قوت سنة عند حصول ما يحصل ، وبعضهن قوت أربعين يوما ، وبعضهن يوما وليلة ، وهو قسم عائشة وحفصة ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم قصر أمله بحيث كان إذا بال تيمم مع قرب الماء ويقول ما يدريني لعلي لا أبلغه ، وقد كان صلي اللّه عليه وسلم لو ادخر لم ينقص ذلك من توكله إذ كان لا يثق بما ادخره ، ولكنه صلّى اللّه عليه وسلّم ترك ذلك تعليما للأقوياء من أمته فإن أقوياء أمته ضعفاء بالإضافة إلى قوته . وادخر عليه الصلاة والسّلام لعياله قوت سنة لا لضعف قلب فيه وفي عياله ، حاشاهم من ذلك ، ولكن ليسن ذلك للضعفاء من أمته ، بل أخبر أن اللّه تعالى يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه . رواه أحمد والطبراني والبيهقي من حديث ابن عمر ، وذلك تطييبا لقلوب الضعفاء حتى لا ينتهى بهم الضعف إلى مرتبة اليأس من روح اللّه والقنوط من رحمة اللّه ، فيتركون الميسور من الخير عليهم لعجزهم عن منتهى الدرجات ، فما أرسل رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم إلا رحمة للعالمين كلهم على اختلاف أصنافهم ودرجاتهم . وفي القوت : وكان سهل رحمه اللّه تعالى يقول في تأويل الخبر : إن اللّه يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، قال ما كان من أمر فخذ بالأوسع ، وما كان من نهى فخذ بالأشد فيه ، قال وكان يضرب للمدخر مثلا في قصر الأمل وطوله فيقول : مثل من يترك الادخار مثل رجل يقول :
أريد أن أخرج إلى الأبلة ، فيقال له خذ رغيفا ، فإن قال أريد أن أخرج إلى العسكر قيل له خذ أربعة أرغفة ، قال فكذلك ترك الادخار ينقص من فضائل الزاهدين بمقدار ما يمنع من حقيقة الزهد إلا الزهاد العارفين لأنهم على عين اليقين قد أقيموا بشهادة عين التوحيد فينظرون بنور الأولية والآخرية ، فالموجودات عندهم عنده إذا كانت أيديهم يده وقبضهم قبضه فهو وكيلهم وهم خلفاؤه ينفقون مما جعلهم مستخلفين فيه ، فهو مزيد لهم لأن هذا مقام فوق الزهد قد جاوزه فكيف يعتبر به ، وهؤلاء لا يوصفون بكدر الخلق والمراءاة فكيف يؤمرون بالتصفية والإخلاص إذ لا يدخل عليهم الشرك لقيومية شهادة التوحيد بهم فهم بها قائمون . وأما تارك المكاسب وقاطع التسبب ممن لا علوم له من الأولياء فإنهم تركوا الادخار لأنه مقتضى حالهم ، وفيه استقامة مقامهم ، وصفاء قلوبهم لخلوصهم ولإفراد سيرهم انتهى .
وإذا فهمت هذا علمت أن الادخار قد يضر بعض الناس وقد لا يضر ، ويدل عليه ما روى أبو أمامة الباهلي رضى اللّه عنه : أن بعض أصحاب الصفة توفى فما وجد له كفن ، فقال صلي اللّه عليه وسلم فتشوا ثوبه ، ففتشوه فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم