تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ولقد أحسن من قال :
أرى الزّهّاد في روح وراحه * قلوبهم عن الدّنيا مزاحه إذا أبصرتهم أبصرت قوما * ملوك الأرض سيمتهم سماحه
شرح
صفة أولياء اللّه تعالى ثلاث خصال : الثقة باللّه في كل شئ ، والفقر إلى اللّه في كل شئ ، والرجوع إلى اللّه في كل شئ . وقال فضيل بن عياض رحمه اللّه : أحب الناس من استغنى عن الناس ولم يسألهم شيئا ، وأبغض الناس إليهم من احتاج إليهم ؛ وأحب الناس إلى اللّه من احتاج إليه وسأله ، وأبغض الناس إليه من استغنى عنه ولم يسأل منه شيئا .

[ ما أوصى به لقمان الحكيم عند وفاته ]

وذكر أن لقمان الحكيم لما حضرته الوفاة قال لابنه : يا بنى كثيرا ما أوصيتك إلى هذه الغاية وإني لموصيك الآن بست خصال فيها علم الأولين الآخرين : أولها أن لا تشغل نفسك بالدنيا إلا بقدر ما بقي من عمرك . والثاني اعبد ربك بقدر حوائجك إليه . والثالث اعمل للآخرة بقدر ما تريد المقام بها . والرابع ليكن شغلك في فكاك رقبتك من النار ما لم تظهر لك النجاة منها . والخامس ليكن جراءتك على المعاصي بقدر صبرك على عذاب اللّه . والسادس إذا أردت أن تعصي اللّه فاطلب مكانا لا يراك اللّه وملائكته . وقيل لبعض الحكماء : ما الفرق بين اليقين والتوكل ؟ قال أما اليقين فهو أن تصدق اللّه بجميع أسباب الآخرة ، والتوكل أن تصدق اللّه بجميع أسباب الدنيا ، ويقال : التوكل توكلان : أحدهما في الرزق فلا يجوز فيه الا الأمن . والثاني في طلب ثواب العمل فيكون آمنا بوعد اللّه في الثواب ويكون خائفا في عمله أن يقبل منه أم لا يقبل . وروي عطاء بن السائب عن يعلي بن مرة قال : اجتمعنا مع نفر من أصحاب علي كرم اللّه وجهه فقلنا لو حرسنا أمير المؤمنين فإنه محارب ولا نأمن عليه أن يغتال فبينا نحن عند باب حجرته حتى خرج للصلاة فقال ما شأنكم ؟ فقلنا حرسناك يا أمير المؤمنين لأنك محارب وخشينا أن تغتال ، فقال أمن أهل السماء حرستمونى أم من أهل الأرض ؟ قالوا بل من أهل الأرض فكيف نستطيع أن نحرسك من أهل السماء ، قال فإنه لا يكون في الأرض شئ حتى يقدره اللّه في السماء وليس من أحد إلا وقد وكل به ملكان يدفعان عنه حتى يجئ قدره ، فإذا جاء قدره خليا بينه وبين قدره ، كذا ذكره العلامة أبو الليث السمرقندي ( ولقد أحسن من قال ) من بحر الوافر ( أرى الزهاد ) جمع زاهد ( في روح ) بالفتح : ما تلذ به النفس ( وراحة ) أي زوال مشقة وتعب ( قلوبهم عن الدنيا مزاحة ) أي بعيدة ، في المختار زاح : بعد وذهب وبابه باع وأزاحه غيره ( إذا أبصرتهم ) أي هؤلاء الزهاد ( أبصرت قوما * ملوك الأرض سيمتهم ) أي طبيعتهم ( سماحة ) أي سخاوة . وتقدم في الزهد أن العلماء اختلفوا فيه وحده ، وكل تكلم على حسب وقته وحاله ، قيل ومن صدق في زهده في الدنيا أتته وهي راغمة لأنه لا رغبة له فيها وما قدره اللّه له آتيه رغما أو لأنه تعالى يمتحن بها أولياءه كما قال تعالى« إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »وأحسن