ثمّ لم يكتف بذلك كلّه حتّى أمر بالتّوكّل وأبلغ وأنذر فقال : (
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
) وقال سبحانه :
( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
فمن لم يعتبر قوله ولم يكتف بوعده ولم يطمئنّ إلى ضمانه ، ولم يقنع بقسمه ، ثمّ لم يبال بأمره ووعده ووعيده فانظر ما ذا يكون حاله ، وأيّة محنة تجىء من هذا ؟ وهذه واللّه مصيبة شديدة ونحن منها في غفلة عظيمة ، ولقد قال الصّادق الأمين صلّى اللّه عليه وسلم لابن عمر : « كيف أنت إذا بقيت بين قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين
شرح
جاع بمكان وليس فيه شئ فقال اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به فشبع وروى من غير طعام ولا شراب . وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « لو أن أحدكم فرمن رزقه لتبعه كما يتبعه الموت » أسنده الثعلبي أفاده القرطبي ( ثم لم يكتف ) اللّه جل وعز ( بذلك ) أي المذكور من الدلالة والوعد والضمان والقسم ( كله حتى أمر ) سبحانه ( بالتوكل وأبلغ وأنذر فقال :
وتوكل ) يا محمد (عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) معناه أنه سبحانه وتعالى لما أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بأن لا يطلب منهم أجرا البتة أمره أن يتوكل عليه في جميع أموره ، وإنما قال «عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» لأن من توكل على حي يموت انقطع توكله عليه بموته ، وأما اللّه سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا ينقطع توكل من توكل عليه ولا يضيع البتة . وقرأها بعض الصالحين فقال لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ( وقال سبحانه :وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا )بالنصرة( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )أي مؤمنين به ومصدقين لوعده ، إذ الإيمان به يقتضى التوكل عليه ، وهو قطع العلائق وترك التملق للخلائق ( فمن لم يعتبر قوله ) جل وعز بالدلالة على أن الرزق منه ( ولم يكتف بوعده ) ولم يثق بجود هذا الغنى الرحيم ( ولم يطمئن ) قلبه ( إلي ضمانه ولم يقنع ) أي لم يرض ( بقسمه ) سبحانه ( ثم لم يبال بأمره ووعده ووعيده فانظر ما ذا يكون حاله ) وكيف يستقر الإيمان في قلبه ومن أين معرفته ( وأية محنة ) وبلية ( تجىء من هذا ) المتصف بما ذكر ( وهذه ) أي الحالة المذكورة من عدم الاعتبار بقوله جل وعز وعدم الاكتفاء بوعده وغير ذلك ( واللّه ) بواو القسم ( مصيبة شديدة ، ونحن منها ) أي من تلك المصيبة ( في غفلة عظيمة ، ولقد قال الصادق ) المصدوق ( الأمين ) أي المأمون على سر وحي ربه سيدنا محمد ( صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عمر ) رضى اللّه عنهما ( كيف أنت إذا بقيت بين قوم يخبئون ) أي يسترون ويدخرون . وفي المصباح : خبأت الشئ خبئا مهموز من باب نفع : سترته ( رزق سنتهم لضعف اليقين ) وقد ذكر مصنفنا حجة الإسلام