وأمّا الأمر الثّانى الّذى اقتضى التّوكّل على اللّه سبحانه وتعالى في هذا الشّأن فهو ما في تركه من الخطر العظيم والأمر الكبير .
قلت : أليس اللّه سبحانه قرن الرّزق بالخلق فقال تعالى :
( خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ )
فدلّ على أنّ الرّزق من اللّه سبحانه لا غير كالخلق ؛ ثمّ لم يكتف بالدّلالة حتّى وعد فقال عزّ وجلّ :
( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ )
ثمّ لم يكتف بالوعد حتّى ضمن فقال : (
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
) ثمّ لم يكتف بالضّمان حتّى أقسم فقال : (
فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
)
شرح
العمل فيها الزهد . قال بعضهم : اللّه يعطى الزاهد فوق ما يريد ، والراغب دون ما يريد ، والمستقيم فوق ما يريد . وقال الإمام أحمد : ترك الحرام زهد العوام وترك فضول الحلال زهد الخواص وترك ما يشغل عن الرب بالقلب زهد العارفين . وعن الفضيل : جعل اللّه الشر كله في بيت ومفتاحه حب الدنيا ، والخير كله في بيت ومفتاحه الزهد فيها ( وأما الأمر الثاني الذي اقتضى ) أي طلب ( التوكل على اللّه سبحانه وتعالى في هذا الشأن ) أي شأن الرزق ( فهو ) أي الأمر الثاني ( ما في تركه ) أي التوكل ( من الخطر العظيم والأمر الكبير . قلت أليس اللّه سبحانه قرن الرزق بالخلق فقال تعالى ) اللّه الذي ( خلقكم ) نسما في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم وفيكم الروح ( ثم رزقكم ) الطيبات الرزق إلى الموت ( فدل ) هذا القول منه جل وعز ( على أن الرزق من اللّه سبحانه لا غير ) وذلك ( كالخلق ، ثم لم يكتف ) اللّه تعالى ( بالدلالة ) على أن الرزق منه ( حتى وعد فقال عز وجل :إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ )أي خالق الأرزاق والأشياء التي يتمتع بها ( ثم لم يكتف ) سبحانه ( بالوعد حتى ضمن فقال ) جل وعز( وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ )الدابة : اسم لكل حيوان دب على وجه الأرض ، وأطلق لفظ الدابة على كل ذي أربع من الحيوان على سبيل العرف ، والمراد منه الإطلاق فيدخل فيه الآدمي وغيره من جميع الحيوانات (إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) يعنى هو المتكفل برزقها فضلا منه لا على سبيل الوجوب فهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق . وقيل إن لفظة على بمعنى من ، أي من اللّه رزقها . وقال مجاهد : ما جاءها من رزق فمن اللّه وربما لم يرزقها فتموت جوعا ( ثم لم يكتف ) سبحانه وتعالي ( بالضمان حتى أقسم فقال :فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أقسم بنفسه ( إنه ) أي ما ذكر من الرزق وغيره ( لحق ) صدق كائن ( مثل ما أنكم تنطقون ) أي مثل نطقكم ، كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك . وقال بعض الحكماء : معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره . وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا