سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 76
وقال أبو مطيع لحاتم الأصمّ : بلغني أنّك تقطع المفاوز بالتّوكّل من غير زاد ، قال حاتم : زادي أربعة أشياء ، قال ما هي ؟ قال أرى الدّنيا والآخرة مملكة للّه تعالى ، وأرى الخلق كلّهم عبيد اللّه وعياله ، وأرى الأرزاق والأسباب كلّها بيد اللّه عزّ وجلّ ، وأرى قضاء اللّه نافذا في جميع أرض اللّه ، واليقين ما حملك ، وهو العلم بأنه لا فاعل إلا اللّه ، ولا معين سواه ، ولا يجرى عليك إلا ما سبق لك عنده . ( وقال أبو مطيع ) البلخي رحمه اللّه ( لحاتم ) بن علوان ( الأصم : بلغني أنك تقطع ) أي تجاوز ( المفاوز بالتوكل من غير زاد . قال حاتم ) بل أقطعها بالزاد ، قال وما زادك ؟ قال حاتم ( زادي ) فيها ( أربعة أشياء . قال ) أبو مطيع ( ما هي ؟ قال ) حاتم : أحدها ( أرى الدنيا ) بحذافيرها ( والآخرة مملكة للّه تعالى . و ) ثانيها ( أرى الخلق كلهم عبيد اللّه وعياله ) أي فقراءه وهو الذي يعولهم . ( و ) ثالثها ( أرى الأرزاق والأسباب كلها بيد اللّه ) أي بقدرته ( عز وجل . و ) رابعها ( أرى قضاء اللّه ) وحكمه ( نافذا في جميع أرض اللّه ) وخلقه . قال أبو مطيع : نعم الزاد زادك يا حاتم ، وإنك لتجاوز بها مفاوز الآخرة ، فكيف مفاوز الدنيا ؟ . [ ما أوصى به شقيق الزاهد رحمه اللّه ] وذكر أن رجلا جاء إلى شقيق الزاهد رحمه اللّه فقال له أوصني ، فقال له شقيق : احفظ ثلاثة أشياء : اعبد اللّه فإنه يثبتك ، وحارب عدو اللّه فإنه ينصرك ، وصدقه بالوعد فإنه يأتي به إليك . وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : لو أن أهل العلم صانوا علمهم وبذلوه لأهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا علي أهلها ، سمعت نبيكم صلّى اللّه عليه وسلم يقول « من جعل الهموم هما واحدا : يعنى هم آخرته كفاه اللّه ما أهمه من أمر دنياه ، ومن شغلته هموم أحوال الدنيا لم يبال اللّه تعالي في أي أودية النار أهلكه وأي أودية النار عذبه » ويقال مكتوب في التوراة « يا ابن آدم حرك يدك أبسط لك في رزقك ، وأطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك » وروى عن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه أنه قال : قوام الإسلام بأربعة أركان : اليقين ، والعدل ، والصبر ، والجهاد . والعلماء رحمهم اللّه فسروا هذه الأربعة أشياء فقالوا أما اليقين فهو علي وجهين : أحدهما أن يعمل للّه خالصا ولا يطلب به عرض الدنيا ولا رضا المخلوقين . والثاني أن يكون آمنا بوعد اللّه وهو الرزق . وأما العدل فهو على وجهين . أحدهما أنه لو كان عليه حق يؤديه قبل الطلب . والثاني إذا كان له على غيره حق يرفق بطلبه ، وأما الصبر فهو على وجهين : أحدهما أن يصبر على أداء فرائض اللّه تعالى . والثاني أن يصبر عما نهاه اللّه عنه . وأما الجهاد فهو على وجهين : أحدهما أن لا تغفل عن عدوك وهو الشيطان ، فإنك إن غفلت عنه فإنه لم يغفل عنك فهو كالذئب إذا وقع في الغنم فكل شاة غفلت عنها أخذها . والثاني أن أكثر فتنة بني آدم لأجل المال فارض باليسير من المال لكيلا يغرك . وقال بعض الحكماء :