تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
فلمّا دخلت مكّة فإذا هو في الطّواف يقول :
يا نفس سيحى أبدا * ولا تحبّى أحدا إلّا الجليل الصّمدا * يا نفس موتى كمدا
فلمّا رآني قال يا شيخ أنت بعد على ذلك الضّعف ؛
شرح
الخواص ( فلما دخلت مكة فإذا هو ) أي الغلام ( في الطواف يقول ) من مجزو الرجز ( يا نفس سيحى ) أي أسعى ( أبدا * ولا تحبى أحدا ) من الخلق ( إلا الجليل ) أي المنعوت بنعوت الجلال

[ الكلام في الصمد ]

( الصمدا ) أي الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد في الرغائب ؛ أو الملجأ الذي لا يمكن الخروج عنه لإحاطة أمره ؛ كذا في سراج السالكين : قال ابن عباس : الصمد : الذي لا جوف له ، وبه قال جماعة من المفسرين : ووجه ذلك من حيث اللغة أن الصمد : الشئ المصمد الصلب الذي ليس فيه رطوبة ولا رخاوة ؛ ومنه يقال : لسداد القارورة الصماد . فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام ، ويتعالى اللّه جل وعز عن صفة الجسمية ؛ وقيل وجه هذا القول أن الصمد الذي ليس بأجوف : معناه هو الذي لا يأكل ولا يشرب وهو الغنى عن كل شئ ؛ فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال . وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال : الصمد هو السيد الذي انتهى سؤدده وهي رواية عن ابن عباس أيضا ، قال هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد ؛ وقيل هو السيد المقصود في جميع الحوائج المرغوب إليه في الرغائب ؛ المستعان به عند المصائب وتفريج الكرب ، وقيل هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله ، وتلك دالة علي أنه المتناهى في السؤدد والشرف والعلو والعظمة والكمال والإحسان ، وقيل الصمد : الدائم الباقي بعد فناء خلقه ، وقيل الصمد : الذي ليس فوقه أحد ، وهو قول على كرم اللّه وجهه ، وقيل هو الذي لا تعتريه الآفات ولا تغيره الأوقات ، وقيل هو الذي لا عيب فيه ، وقيل الصمد : هو الأول الذي ليس له زوال والآخر الذي ليس لملكه انتقال . والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه لأنه محتمل له ، فعلى هذا يقتضى أن لا يكون في الوجود صمد سوى اللّه تعالى العظيم القادر على كل شئ وأنه اسم خاصّ باللّه تعالي انفرد به ، له الأسماء الحسنى والصفات العليا « ليس كمثله شئ وهو السميع البصير » كذا ذكره الخازن ( يا نفس موتى كمدا ) أي حزنا . في المختار : المد : الحزن المكتوم ، وبابه طرب . قال الخواص ( فلما رآني ) الغلام ( قال ) لي ( يا شيخ أنت بعد ) أي إلى الآن ( علي ذلك الضعف ) أي ضعف اليقين . قال أبو بكر الوراق : اليقين على ثلاثة أوجه : يقين خبر ، ويقين دلالة ، ويقين مشاهدة . وقال أبو تراب : رأيت غلاما في البادية يمشى بلا زاد ، فقلت إن لم يكن معه يقين فقد هلك ، فقلت يا غلام في مثل هذا الموضع بلا زاد ؟ فقال يا شيخ ارفع رأسك هل ترى غير اللّه عز وجل ، فقلت الآن اذهب حيث شئت . وقال القشيري : سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أبا نصر الأصبهاني يقول : سمعت محمد بن عيسى يقول : قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 75 | السيد احمد بن زيني دحلان