وأبنائها ؛ وأمّا أبناء الآخرة فرأس ما لهم هذه الخصلة الّتى هي التّوكّل وقطع القلب عن العلائق لمّا أحكموها وحصّلوها حقّا ، تفرّغوا لعبادة اللّه تعالى وتمكّنوا في التّفرّد عن الخلق ، والسّياحة في الأرض ، واقتحام الفيافي ، واستيطان الجبال والشّعاب ، فصاروا أقوياء العباد ورجال الدّين وأحرار النّاس وملوك الأرض ، بالحقيقة يسيرون حيث يشاءون وينزلون حيث يشاءون ويقصدون من الأمور العظام علما وعبادة ما يشاءون ، لا عائق لهم ولا حاجز لهم دونهم ، فكلّ الأماكن لهم واحد ، وكلّ الأزمان عندهم واحد ، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« من سرّه أن يكون أقوى النّاس فليتوكّل على اللّه ، ومن سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق اللّه ،
شرح
( وأبنائها ) أي الملازمين لها ( وأما أبناء الآخرة فرأس ما لهم ) أي أصله ( هذه الخصلة التي هي التوكل ) أي الاعتماد على اللّه تعالى ( وقطع القلب عن ) الالتفات إلى ( العلائق لما أحكموها ) أي أتقنوها ( وحصلوها ) أي التقوى ( حقا تفرغوا ) أي أبناء الآخرة ( لعبادة اللّه تعالى وتمكنوا في التفرد عن الخلق والسياحة ) أي السير والذهاب ( في الأرض واقتحام الفيافي ) أي دخول المفاوز . في المختار الفيفاء : الصحراء الملساء والجمع الفيافي ( واستيطان الجبال والشعاب ) بكسر الشين جمع شعب : وهو الطريق في الجبل ( فصاروا أقوياء العباد ورجال الدين وأحرار الناس وملوك الأرض بالحقيقة يسيرون حيث ) أي في مكان ( يشاءون ، وينزلون حيث يشاءون ، ويقصدون من الأمور العظام ) بيان مقدم لقوله ما يشاءون ( علما وعبادة ما يشاءون لا عائق ) يعوق ( لهم ولا حاجز ) أي مانع يحجز ( لهم دونهم ) أي عندهم ( فكل الأماكن ) سهلها وحزنها قراها وصحارها ( لهم واحد ، وكل الأزمان ) ليلها ونهارها ( عندهم واحد ، وإليه ) أي المذكور من أحوال هؤلاء ( الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : من سره ) أي أفرحه ( أن يكون ) أي أن يصير ( أقوى الناس ) في جميع أموره ( فليتوكل علي اللّه ) أي يفوض أموره إليه وإن كان مكتسبا كما قاله الحفنى ، لأنه إذا قوى توكله قوى قلبه وذهبت مخافته ولم يبال بأحد ، أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل عن ابن عباس وإسناده حسن . قال الزبيدي ورواه كذلك الحاكم والبيهقي وعبد بن حميد وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والطبراني وصاحب الحلية كلهم من طريق هشام بن زياد أبى المقدام عن محمد القرظي عن ابن عباس قال البيهقي في الزهد : تكلموا في هشام بسبب هذا الحديث ( و ) قوله صلي اللّه عليه وسلم ( من سره أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه ) وهذا مصداق قوله تعالى« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » .قال المناوي : وهذا الحديث