تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 4

مساهمون:

ص٤
أنّى سألت اللّه أن يطلعنى على سرّ معالجة النّفس ، وأن يصلحنى ويصلح بي ، فاقتصرت في هذا الكتاب الشّريف على نكت وجيزة اللّفظ غزيرة المعنى ، تقنع من تأمّلها ، وتدعه على واضحة من الطّريق إن شاء اللّه تعالى ، وهذا الفصل يختصّ بنكت في معالجة الدّنيا والخلق والشّيطان والنّفس .

[ حسبك أن الدنيا عدوة اللّه وعدوة لأوليائه وعدوة لأعدائه ]

أمّا الدّنيا : فحقّ لك أن تحذرها وتزهد فيها ، لأنّ الأمر لا يخلو من ثلاثة : إمّا أنت من ذوى البصائر والفطن فحسبك أنّ الدّنيا عدوّة اللّه سبحانه وهو حبيبك ووليّك ، وأنّ الدّنيا نقيضة عقلك ، والعقل قيمتك ، وإمّا أنت من ذوى الهمم
شرح
أنى سألت اللّه ) تعالى ( أن يطلعنى على سر معالجة النفس و ) سألت اللّه ( أن يصلحنى و ) أن ( يصلح ) سبحانه وتعالى ( بي ) أي بسببي غيرى ( فاقتصرت في هذا الكتاب الشريف على نكت وجيزة ) أي قليلة ( اللفظ غزيرة ) أي كثيرة ( المعنى تقنع ) أي تكفى هذه النكت ( من تأملها ) حق التأمل ( وتدعه ) أي تترك تلك النكت من تأملها ( على واضحة ) أي جلية ( من الطريق ) أي طريق العبادة الخالصة ( إن شاء اللّه تعالى ، وهذا الفصل يختص بنكت ) شريفة ( في معالجة الدنيا والخلق والشيطان والنفس . أما الدنيا فحق ) أي ثبت ( لك أن تحذرها وتزهد فيها ) أي الدنيا ( لأن الأمر ) أي أمرك ( لا يخلو من ثلاثة : إما أنت من ذوى ) أي أصحاب ( البصائر ) جمع بصيرة ، وهي العلم والخبرة ( و ) ذوى ( الفطن ) جمع فطنة : وهي الحذق والفهم ، وقد تفسر بجودة تهيؤ النفس لتصور ما يرد عليها من الغير ، ويقابلها الغباوة ( فحسبك ) أي فإن كنت منهم كفاك ( أن الدنيا عدوة اللّه سبحانه ) وعدوة لأولياء اللّه ، وعدوة لأعداء اللّه . أما عداوتها للّه فإنها قطعت الطريق على عباد اللّه السالكين إليه ، ولذلك لم ينظر اللّه إليها نظر عناية منذ خلقها كما ورد ذلك في الخبر ، وأما عداوتها لأولياء اللّه عز وجل فإنها تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها وقطعوا النظر عن زينتها ، وأما عداوتها لأعداء اللّه فإنها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها فاقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها وعولوا عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون ومن مكايدها يستغيثون ولا يغاثون بل يقال لهم «اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ-أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» ( وهو ) سبحانه وتعالى ( حبيبك ووليك ) أي متولى أمورك ( فإن الدنيا نقيضة عقلك ، والعقل ) أي والحال أن العقل ( قيمتك ) ولولا عقلك ما كانت لك قيمة أصلا ( وإما أنت من ذوى الهمم ) جمع همة
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 4 | السيد احمد بن زيني دحلان