سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 5
والاجتهاد في عبادة اللّه تعالى ، فحسبك أنّ الدّنيا بلغ من شؤمها ما يمنعك من إرادتها وتشغلك الفكرة فيها عن العبادة والخير فكيف نفسها . [ الكلام في حقيقة الدنيا ] ( والاجتهاد في عبادة اللّه تعالى فحسبك ) أي فإن كنت من أصحاب الهمم والاجتهاد كفاك ( أن الدنيا بلغ من شؤمها ) وشررها ( ما يمنعك من إرادتها وتشغلك الفكرة فيها ) أي الدنيا ( عن العبادة و ) أنواع ( الخير فكيف نفسها ) أي نفس الدنيا الدنية التي لم تزن عند اللّه تعالى جناح بعوضة ، ومن هوانها عند اللّه تعالي أن وبخ أولى الرغبات فيها وذم أهل الحرص عليها ، فقال تعالي « مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ » الآية . وقال تعالى « مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ » الآية ، ففي بغضها الراحة العاجلة والآجلة والعز والإكرام في الدنيا والأخرى . قال عليه الصلاة والسّلام : « الزهادة في الدنيا تريح القلب والبدن » . وقال عليه الصلاة والسّلام « ازهد في الدنيا يحبك اللّه ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس » وقال عليه الصلاة والسّلام « إذا أحب اللّه عبدا زوى عنه الدنيا » وقال السرى : إن اللّه تعالى سلب الدنيا عن أوليائه ، وحماها عن أصفيائه ، وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم . وقال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : أصول الشر ثلاثة وفروعه ستة . فالأصول : الحسد والحرص وحب الدنيا ، فمن أحبها ذهب خوف الآخرة من قلبه ولا يفتح عبد على نفسه بابا من الدنيا إلا سد عليه عشرة من أبواب الآخرة . وقال محمد بن واسع : من زهد في الدنيا فهو ملك في الدنيا والآخرة . وقال مالك بن دينار : القلب إذا غلبه حب الدنيا لم تنجح فيه الموعظة . وفي بعض الكتب إن اللّه تعالى قال « أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج حلاوة ذكرى من قلبه » وقال عبد الواحد بن زيد : ما من عبد أعطى الدينار فابتغى إليه ثانيا إلا سلبه اللّه حب الخلوة معه وبدله بعد القرب بعدا وبعد الأنس وحشة . وكان الثوري يقول : لو أن عبدا عبد اللّه بجميع المأمورات إلا أنه يحب الدنيا إلا نودي عليه يوم القيامة على رؤوس أهل الجمع : ألا إن هذا فلان بن فلان قد أحب ما أبغض اللّه فيكاد لحم وجهه يسقط من الخجل وإني لأعرف محبة الرجل للدنيا بتملقه لأهلها . وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى : من غلبته شدة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها ، ومن رضى بالقنوع زال عنه الخضوع لأهلها . وقال الفضيل رحمه اللّه : إذا أحب اللّه عبدا أكثر همه وغمه فإذا أبغض عبدا وسع عليه دنياه ، ولو أن الدنيا بحذافيرها عرضت على لا أحاسب عليها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا قرب منها . قال الجنيد : لا تصفوا القلوب لعلم الآخرة إلا إذا تجردت عن الدنيا ، وما رأيت أحدا عظمها فقرت عينه فيها أبدا ، وكان بشر يتمثل بهذين البيتين : مكرم الدنيا مهان * مستذل في القيامة والذي هانت عليه * فله ثم الكرامة وقال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : مسكين ابن آدم رضى بدار حلالها حساب ، وحرامها