سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 68
وذلك لأمرين : أحدهما : التّفرّغ للعبادة ويتمشّى لك من الخير حقّه ، فإنّ من لم يكن متوكّلا فلا بدّ من اشتغاله عن عبادة اللّه بسبب الحاجة والرّزق والمصلحة إمّا ظاهرا وإمّا باطنا : إمّا بطلب وكسب بالبدن كعامّة الرّاغبين ، وإمّا بذكر وإرادة ووسوسة بالقلب كالمجتهدين المعلّقين ، والعبادة تحتاج إلى فراغ القلب والبدن ليحصل حقّها ، والفراغ لا يكون إلّا للمتوكّلين بل أقول كلّ من هو ضعيف القلب لا يكاد يطمئنّ قلبه إلّا بشئ معلوم ، فلا يكاد يتمّ له أمر خطير من دنيا وآخرة ، وكثيرا ما سمعت من شيخى أبى محمّد رحمه اللّه تعالى يقول : إنّما الأمر يتمشّى في العالم لرجلين : متوكّل أو متهوّر . قلت : وهذا كلام جامع في معناه ، فإنّ المتهوّر يقصد [ تنبيه في أمور ورد الحديث بأنها جالبة للرزق ] ( تنبيه ) في أمور ورد الحديث بأنها جالبة للرزق . فمنها الإكثار من لا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم ومن الاستغفار ؛ وورد أنه « من قال : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم كل يوم مائة مرة لم يصبه فقر أبدا . ومن قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة » ومن دعائه صلي اللّه عليه وسلم بعد العصر « اللهم إني أسألك رزقا طيبا وعلما نافعا وعملا متقبلا » . ومنها غسل اليدين عند حضور الغذاء ورفعه ، وكتابة قوله تعالى « وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » بعد صلاة الجمعة وجعلها في بيته أو حانوته وغير ذلك مما هو مبسوط في الرسالة المسماة بحصول الرفق في أصول الرزق ( وذلك ) أي لزوم التوكل عليه تعالى في الرزق والحاجة ( لأمرين أحدهما التفرغ للعبادة ويتمشى ) أي يجرى ( لك من الخير حقه ، فان من لم يكن متوكلا ) أي معتمدا على اللّه ( فلا بد من اشتغاله عن عبادة اللّه بسبب الحاجة والرزق والمصلحة ) أي ما يصلحه في أموره ( إما ظاهرا وإما باطنا إما بطلب وكسب بالبدن كعامة ) أي كثرة ( الراغبين ) في الدنيا ( وإما بذكر وإرادة ووسوسة بالقلب كالمجتهدين ) في العبادة ( المعلقين ) قلوبهم في الدنيا ( والعبادة تحتاج إلى فراغ القلب والبدن ) من الشواغل ( ليحصل حقها ) أي العبادة ( والفراغ لا يكون ) أي لا يوجد ( إلا للمتوكلين ، بل أقول كل من هو ضعيف القلب ) في الدين ( لا يكاد ) أي يقرب ( يطمئن قلبه إلا بشئ معلوم ) من الرزق ( فلا يكاد يتمّ له أمر خطير ) أي عظيم ( من دنيا وآخرة ، وكثيرا ما سمعت من شيخى أبى محمد رحمه اللّه تعالى يقول إنما الأمر يتمشى ) أي يجرى ( في العالم ) أي في الدنيا ( لرجلين متوكل أو متهور ) أي الذي يقدم علي الشئ بقلة مبالاة . في [ محيط المحيط ] تهور الرجل : وقع في الأمر يقلة مبالاة ، وفي المختار : التهور الوقوع في الشئ بقلة مبالاة يقال فلان متهوّر ( قلت وهذا ) أي كلام أبى محمد رحمه اللّه ( كلام جامع في معناه فان المتهور يقصد