تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
أنّها أربعة : أحدها : الرّزق ومطالبة النّفس بذلك وإنّما كفايته في التّوكّل . فعليك بالتّوكّل على اللّه سبحانه في موضع الرّزق والحاجة بكلّ حال
شرح
في أول الكتاب ( أنها ) أي تلك العوارض

[ أحدها الرزق ومطالبة النفس بذلك والكلام على التوكل ]

( أربعة : أحدها الرزق ) وهو ما ساقه اللّه إلى الحيوان فانتفع به بالفعل فشمل المأكول وغيره مما انتفع به ، أفاده عبد السّلام ( ومطالبة النفس بذلك ) الرزق ( وإنما كفايته ) أي هذا العارض الأول ( في التوكل ) أي اعتماد القلب على اللّه وحده ثقة بوعده واعتمادا على كمال كرمه ورحمته وهو منزل منيف من منازل الدين ، ومقام شريف من مقامات الموقنين ، بل هو من معالى درجات المقربين وستأتي حقيقة التوكل وحكمه ( فعليك بالتوكل على اللّه سبحانه ) وتعالى ( في موضع الرزق والحاجة بكل حال ) قال تعالى« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها »فأتى سبحانه بلفظة « على » حملا للمكلف على الثقة به تعالى في شأن الرزق والإعراض عن إتعاب النفس في طلبه كما قال القائل :يا طالب الرزق في الآفاق مجتهدا * أتعبت نفسك حتى شفك التعب تسعى لرزق كفاك اللّه بغيته * فاقعد فرزقك لا يأتي به الطلب كم من ضعيف ضعيف العقل تعرفه * له الولائد والأوراق والذهب ومن حسيب له عقل يزينه * بادي الخصاصة لم يعرف له سبب فاسترزق اللّه مما في خزائنه * فاللّه يرزق لا عقل ولا حسبقال في روح البيان : اتفقوا على أن أربعة لا تقبل التغير أصلا : العمر ، والرزق ، والأجل ، والسعادة أو الشقاوة ؛ فعلي العاقل أن لا يهتم برزقه ويتوكل علي اللّه فإنه حسبه . روى أن موسى عليه السّلام لما أمر بالذهاب إلى فرعون تعلق قلبه بأهله قائلا من يقوم بأمرهم فأمره اللّه تعالى أن يضرب صخرة بعصاه فضربها فانشقت عن صخرة ، فضربها فانشقت عن أخرى ، فضربها فخرجت منها دودة في فمها ما يجرى مجرى الغذاء فسمعها تقول : سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينسانى . وعن أنس « خرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مفازة في حاجة فرأينا طيرا يلحن بصوت ، فقال عليه الصلاة والسّلام أتدرى ما يقول هذا الطير يا أنس ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم بذلك . قال إنه يقول يا رب أذهبت بصرى وخلقتني أعمى فارزقني فإني جائع فجاء طير آخر وهو الجراد فدخل في فمه فابتلعه ثم رفع صوته وجعل يلحن ، فقال عليه الصلاة والسّلام : أتدرى ما يقول ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال إنه يقول : الحمد للّه الذي لم ينس من ذكره » قيل وكان مكتوبا على سيف الحسن رضى اللّه عنه : الرزق مقسوم والحريص محروم والبخيل مذموم والحاسد مذموم ، وفي الحديث « من جاع واحتاج وكتمه عن الناس وأفضي به إلى اللّه تعالى كان حقا عليه أن يفتح له رزق سنة » وحقيقة التوكل في الرزق وغيره عند المشايخ الانقطاع عن الأسباب بالكلية ثقة باللّه تعالى وهذا لأهل الخصوص ، وأما أهل العموم فلا بد لهم من
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 66 | السيد احمد بن زيني دحلان