شرح
التسبب . وقال تعالى« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ »الآية ، فأقسم سبحانه وتعالى بأن ذلك حق حملا لعباده على التوثق بذلك ، قال الحداد في عيون المجالس : يقال إن بعض الصوفية ضاقت يده فنازعته امرأته في الخروج لطلب رزق لهم فبات مهموما ، فرأى في النوم أن قيل له : اذهب لمحل كذا واحفر فيه فإنك تجد فيه حبين مملوءين : أحدهما دراهم والآخر دنانير فأصبح وحدثها بذلك فأخذ فأسا وذهب إلى ذلك المحل فتذكر قوله« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ »الآية وقال رزقي في السماء وأطلبه في الأرض وتركه ورجع ؛ فقالت له : لم رجعت ؟ فقال تذكرت قوله «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ» ثم رأي ذلك ثلاث ليال كذلك فحدثت المرأة جارتها بذلك . فأخبرت الجارة زوجها فذهب وحفر فوجد حبين : أحدهما حيات والآخر عقارب فأخذهما ونوى أن يرمى بهما في أثناء الليل إلى بيت جاره ، فلما كان جوف الليل رمي بهما فسمعت المرأة الوجبة فصعدت السطح فرأته مملوءا دراهم ودنانير بقدرته تعالى فأخبرت زوجها بذلك ، فقال ألم يقل اللّه تعالى« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ » .وضاق الحسن بن علي رضى اللّه عنهما ضيقة شديدة وكان عطاؤه من معاوية كل سنة مائة ألف فحبسها عنه فدعا بدواة ليكتب إليه ثم أمسك فرآه عليه الصلاة والسّلام يقول له كيف أنت ؟ فقال بخير يا أبتي وحدثه بذلك ، فقال له : دعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره نفسك فقال : كيف أصنع ؟ قال : قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا بعدك ، اللهم ما ضعفت عنه قوتى وقصر عنه أملى ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسئلتي ولم يجر على لساني مما أعطيته الأولين والآخرين من اليقين فاخصصنى به يا رب العالمين . قال فما ألححت بهن أسبوعا حتى بعث إلى معاوية بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم ، فقلت : الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من رجاه ومن دعاه ولا يقطعه ، فرأيته صلي اللّه عليه وسلم فقال كيف أنت ؟ قلت بخير وحدثته حديثي فقال هكذا من رجا الخالق ولا يرجو المخلوق انتهى . وقال عليه الصلاة والسّلام « إن روح القدس » أي جبريل « نفث في روعى » بضم أوله : أي تفل في قلبي والمراد ألقى الوحي فيه من غير أن أسمعه وأراه « لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه » أي ثقوا بضمانه « وأجملوا في الطلب » : أي اطلبوا الرزق بطريق حلال بلا حرص ولا تهافت على الحرام ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية اللّه فإن اللّه تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته .
ودخل جماعة على الجنيد فقالوا أين نطلب الرزق ؟ فقال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه منه ، قالوا فنسأل اللّه ذلك ؟ فقال إن علمتم أنه ينساكم فذكروه ، فقالوا ندخل البيت فنتوكل ، فقال التجربة شك في أنه تعالى ضامن للرزق . قال شيخ الإسلام وهو كلام بالغ في تعليم التوكل سواء وجدت الأسباب أم لا ، لأن الرزق عند أهل الحق ما ينتفع به العبد لا ما يملكه بل ولا كل ما يأكله فإنه قد يأكل شيئا ثم يقذفه من جوفه ويكون رزق غيره فلا قدرة له على معرفة رزقه ، فإنه لا يعرف ما الذي ينتفع به ثم قالوا له ما الحيلة ؟ قال ترك الحيلة والاعتماد بالقلوب على اللّه والاشتغال بما أمر به .