تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
يصفون باللّيل أقدامهم * وعين المهيمن ترعاهم فطوبى لهم ثمّ طوبى لهم * إذا بالتّحيّة حيّاهم
وكنت من الزّاهدين المجاهدين في اللّه الخواصّ من عباد اللّه تعالى الّذين قال فيهم سبحانه :
( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) *
وكنت من المتّقين الّذين لهم سعادة الدّارين ، وصرت حينئذ أفضل من كثير من الملائكة المقرّبين ، إذ ليست لهم شهوة تدعو إلى قبيح ولا نفس خبيثة ؛ وكنت قد خلّفت هذه العقبة الطّويلة الشّديدة وراءك وسبقت العوائق كلّها إلى مقصودك ولا يهولنّك فإنّه مع الاستعانة باللّه والاعتصام به لهيّن ، نسأل اللّه تعالى وهو خير مسؤول أن يمدّك
شرح
( يصفون ) لعبادة ربهم ، يقال صففت الشئ صفا من باب قتل فهو مصفوف ( بالليل أقدامهم * وعين المهيمن ) أي الرقيب الحافظ لكل شئ ، مفيعل من الأمن ، قلبت همزته هاء كما قاله البيضاوي ( ترعاهم ) أي تلحظهم ( فطوبى ) أي الحظ والعيش الطيب ( لهم ثم طوبى لهم * إذا بالتحية حياهم ) مولاهم جل وعز ( وكنت من الزاهدين المجاهدين في اللّه الخواص من عباد اللّه تعالى الذين قال ) اللّه تعالى ( فيهم سبحانه :إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ *) والخطاب لإبليس ( عليهم سلطان ) أي سلطنة وولاية ( وكنت من المتقين الذين لهم سعادة الدارين ) أي الدنيا والآخرة ( وصرت حينئذ ) أي حين إذ كنت متصفا بالصفات المذكورة ( أفضل من كثير من الملائكة المقربين ) وذلك ( إذ ليست لهم ) أي للملائكة ( شهوة تدعو إلى قبيح ولا نفس خبيثة ) تدعو إلى الخبيث بل -يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ-لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» . فان قيل يلزم على ما ذكر تفضيل غير المعصوم على المعصوم . أجيب بأن العصمة لا دخل لها في التفضل فلا ينظر لها فيه وإنما ينظر في الأكثرية في الثواب على العبادة ، فعوام البشر أكثر ثوابا من عوام الملائكة لحصول المشقة لعوام البشر في عبادتهم بخلاف عوام الملائكة فإن جبلتهم الطاعة فلا يحصل لهم فيها مشقة كذا في تحفة المريد ( وكنت قد خلفت ) أي تركت ( هذه العقبة الطويلة الشديدة ) وهي عقبة العوائق ( وراءك وسبقت العوائق ) أي الموانع ( كلها إلى مقصودك ولا يهولنك ) بفتح الياء وضم الهاء وسكون الواو من باب قال أي لا يفزعنك ولا يخوفنك سبق العوائق ( فإنه ) أي السبق ( مع الاستعانة باللّه والاعتصام به ) تعالى ( لهين ) أي ليسير غير عسير ( نسأل اللّه تعالى وهو خير مسؤول أن يمدك ) بضم الياء وكسر الميم أي يعينك من الإمداد ، وهو في الأصل إعطاء الشئ حالا بعد حال ، والمراد به هنا الإعانة كما في قوله تعالى« أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ »أي يعينكم