شرح
من مرارة الدّواء فألجمنّها بلجام التّقوى بأن تمنعها عمّا لا تحتاج إليه بالحقيقة من فضول كلام ونظر وطعام وتلبّس بخصلة فاسدة من طول أمل أو عجلة أو حسد مسلم ، أو تكبّر في غير موضعه أو أكل بمحض شهوة وشره وتعطيها ما ليس لها منه بدّ ولا تخاف منه ضررا إذ لا ضرورة إلى الفضول ، وقد وسّع اللّه تعالى الأمر على عباده برحمته وأغناهم عن جميع ما يضرّهم في أمر دينهم فأىّ حاجة إلى ذلك ؟
وكسر الفاء من باب ضرب في اللغة العالية : أي يعرضون ويصدون ( من مرارة الدواء فألجمنها بلجام التقوى ) وذلك ( بأن تمنعها ) أي النفس ( عما لا تحتاج إليه بالحقيقة من فضول كلام ونظر وطعام ) أي فضولهما ( و ) من ( تلبس ) أي اختلاط ( بخصلة فاسدة من طول أمل أو عجلة ) في الأمور ( أو حسد مسلم أو تكبر في غير موضع ) أي موضع التكبر ، وذلك كالتكبر على المتواضعين فإنه مذموم ، بخلاف التكبر علي المتكبرين فإنه محمود ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إذا رأيتم المتواضعين فتواضعوا لهم ، وإذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فان ذلك مذلة لهم وصغار » قال العراقي حديث غريب ، والمعنى أن المتكبر إذا تواضعت له تمادى في تيهه وإذا تكبرت عليه يمكن أن يتنبه ، ومن ثم قال الشافعي : ما تكبر على متكبر مرتين . وقال الزهري :
التجبر على أبناء الدنيا أوثق عرى الإسلام ، وفي بعض الآثار : التكبر على المتكبر صدقة ، ويؤيده ما روى عن ركب المصري وله صحبة مرفوعا : « طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل نفسه في غير مسكنة ، وذلك بأن لا يضع نفسه بمكان يزرى به ويؤدى إلى تضييع حق الحق أو الخلق » فالقصد بالتواضع خفض الجناح للمؤمنين مع بقاء عزة الدين ، ومن هذا الحديث يؤخذ أن الرجل إذا تغير صديقه وتكبر عليه لنحو منصب أن يفارقه ، ولذلك قيل :سأصبر عن رفيقي إذا جفاني * على كل الأذى إلا الهوانوقال الشيخ الأكبر قدس سره : الخضوع واجب في كل حال إلى اللّه باطنا وظاهرا فإذا اتفق أن يقام في موطن الأولى فيه ظهور عزة الإيمان وجبروته وعظمته لعز المؤمن وعظمته وجبروته ويظهر في المؤمن من الأنفة والجبروت ما يناقض الخضوع والذلة ، فالأولى إظهار ما يقتضيه ذلك الموطن فان للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حليما واللّه أعلم ( أو أكل بمحض شهوة ) أي الشهوة الخالصة عن نية التقوى لطاعة اللّه تعالى ( وشره ) أي غلبة الحرص ( وتعطيها ) أي النفس ( ما ليس لها منه بد ) أي غنى ( ولا تخاف منه ضررا إذ لا ضرورة ) ولا حاجة ( إلى الفضول ) المذكور ( وقد وسع اللّه تعالى الأمر على عباده برحمته ) التي وسعت كل شئ ( وأغناهم ) أي العباد ( عن جميع ما يضرهم في أمر دينهم ، فأي حاجة ) أي لا حاجة ( إلى ذلك ) أي الفضول وما يضرهم