تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
فإنّ الأمر كما قال بعض الصّالحين : إنّ التّقوى أهون شئ إذا رابني شئ تركته ، فإنّ النّفس تستكين وتتعوّد ما عوّدتها ، وإنّها كما قال القائل :
فالنّفس راغبة إذا رغّبتها * وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقال آخر :
هي النّفس ما حمّلتها تتحمّل
ويروى : ما عوّدتها تتعوّد وقال آخر :
صبرت عن الّلذّات حتّى تولّت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
شرح
في أمر الدين ( فان الأمر كما قال بعض الصالحين ) وهو حسان بن أبي سنان البصري أحد العباد الورعين . قال البخاري : كان من عباد أهل البصرة ، وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا سلام بن أبي مطيع قال : قال حسان : لولا المساكين ما اتجرت ، وقد ترجمه أبو نعيم في الحلية ( إن التقوى ) أي اتقاء الشبهات والفضلات ( أهون شئ إذا رابني ) أي شككنى ( شئ تركته ) وهذا القول عنه قد أخرجه البخاري في كتاب البيوع معلقا ، ولفظه : وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا أهون من الورع دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ؛ وقد حكى عن يوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهما من عباد أهل الشام أن قائلهم يقول : منذ ثلاثين سنة ماحك في قلبي شئ إلا تركته ( فان النفس تستكين ) أي تخضع وتذل . في [ محيط المحيط ] : استكان استكانة خضع وذل . وهو استفل من الكون : أي صار له كون خلاف كونه ، وقيل هو استفعل من الكين ، وهو لحم داخل فرج المرأة ، وهو نظيره لأنه في أسفل موضع وأذله : أي صار مثله في الحقارة والذل ، ويجوز أن يكون أصله استكن افتعل من السكون وزيدت الألف لإشباع الفتحة ( وتتعود ما عودتها ، وإنها كما قال القائل ) من بحر الكامل ( فالنفس راغبة إذا رغبتها * وإذا ترد ) أي النفس ( إلى قليل تقنع ) أي ترضى وإذا تركتها على ما ألفته من المعاصي دامت على حبه ، وإذا منعتها عنه امتنعت كما قال صاحب البردة :والنفس كالطفل إن تهمله شب على * حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم( وقال آخر ) وهو المتنبي من بحر الطويل ( هي ) ضمير القصة ( النفس ما حملتها تتحمل ) تمامه : * وللدهر أيام تجور وتعدل * هكذا في هامش البيضاوي ( ويروى : ما عودتها تتعود ) أي ما كلفتها أولا يصير طبعا آخرا ومثله قوله * لكل امرئ من دهره ما تعودا * كذا ذكره الزبيدي ( وقال آخر ) من بحر الطويل أيضا ( صبرت عن اللذات ) والمشتهيات ( حتى تولت ) بكسر التاء الثانية للضرورة أي أعرضت تلك اللذات عن نفسي ، وهذا كناية عن صبر النفس عن نيل تلك اللذات وانقيادها في ترك ذلك ( وألزمت نفسي صبرها فاستمرت ) بكسر التاء الثانية للضرورة كما تقدم
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 61 | السيد احمد بن زيني دحلان