سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 62
وما النّفس إلّا حيث يجعلها الفتى * فإن أطعمت تاقت وإلّا تسلّت فإذا علمت الّذى وصفناه كنت من الزّاهدين في الدّنيا الرّاغبين في الآخرة . واعلم أنّ من سمّى باسم الزّاهد فلقد سمّى بألف اسم ممدوح ، وكنت من المنفردين المنطعين إلى اللّه سبحانه ، الّذين هم أهل الأنس وخدم ربّ العالمين ، فتكون كما قال القائل : تشاغل قوم بدنياهم * وقوم تخلّوا لولاهم فألزمهم باب مرضاته * وعن سائر الخلق أغناهم ( وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فان أطعمت ) بالبناء للمفعول ( تاقت ) أي اشتاقت ( وإلا ) بأن لم تطعم ( تسلت ) بكسر التاء الثانية كما تقدم : أي رضيت ( فإذا علمت الذي وصفناه ) أي من أول [ اعلم أن من سمى باسم الزاهد فلقد سمى بألف اسم ممدوح عند اللّه وعند الخلق ] الفصل إلى هنا ( كنت من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة . واعلم أن من سمى باسم الزاهد فلقد سمى بألف اسم ممدوح ) عند اللّه وعند الخلق ، وكفى بالزهد فوزا وسعادة ، وقد روى عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه أنه قال : ركعتان من زاهد عالم خير من عبادة المتعبدين المجتهدين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا . وقال بعض الصحابة لصدر التابعين : أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم كانوا خيرا منكم ، قيل ولم ذلك ؟ قال كانوا أزهد منكم في الدنيا ، وعن بعض الصحابة أيضا قال : تابعنا الأعمال كلها فلم نر في أمر الدنيا والآخرة أبلغ من الزهد في الدنيا . وقال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه سألت معروفا الكرخي رحمه اللّه عن الطائعين للّه بأي شئ قدروا على الطاعة ؟ . فقال بإخراج الدنيا من قلوبهم ، ولو كان شئ منها في قلوبهم ما صحت لهم سجدة . وقال أبو عبد اللّه القرشي رحمه اللّه : شكا بعض الناس لرجل من الصالحين أنه يعمل أعمال البر ولا يجد حلاوة في قلبه ، فقال لأن عندك بنت إبليس وهي الدنيا ولا بد للأب أن يزور بنته في بيتها وهو قلبك ولا يؤثر دخوله إلا فسادا ، وكان سهل يقول : يعطى الزاهد ثواب العلماء والعباد ثم يقسم على المؤمنين ثواب أعماله قال ولا يري في القيامة أحد أفضل من ذي زهد عالم ورع ( وكنت من المنفردين المنقطعين إلى اللّه سبحانه الذين هم أهل الأنس ) قال بعضهم : الأنس سرور القلب بما يرد عليه من المعارف الربانية ( وخدم رب العالمين فتكون ) أنت ( كما قال القائل ) من بحر المتقارب ( تشاغل قوم بدنياهم ) بالاشباع للوزن ( وقوم ) آخر ( تخلوا لمولاهم . فألزمهم ) مولاهم ( باب مرضاته * وعن سائر الخلق أغناهم ) بالإشباع للوزن