تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وعلمت جهالة هذه النفس وجماحها إلى ما يضرّها ، ويهلكها ، فنظرت إليها رحمة لها نظر العقلاء والعلماء الّذين ينظرون في العواقب لا نظر الجهّال والصّبيان الّذين ينظرون في الحال ، ولا يفطنون لغائلة الأذى وينفرون
شرح
به مستبطنا قلبه واضعا رأسه : أو قال خرطومه عليه ، فإذا غفل العبد وسوس وإذا ذكر اللّه خنس أي تأخر واستتر ، وتقدم مثل هذا . وقال يحيى بن معاذ رحمه اللّه : الشيطان قديم وأنت حديث والشيطان كسير وأنت سليم الناحية ، والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه ، وله من نفسك عليك عون ، وقيل صدر ابن آدم مسكن له ومجراه من ابن آدم مجرى الدم ، وأنت لا تقاومه إلا بعون اللّه تعالى . وقال مالك بن دينار رحمه اللّه : إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المئونة إلا من عصمه اللّه ، وفيه يقول القائل :أشكو عدوا كيده يراني * ولا أراه حيثما يراني وعندما أنساه لا ينسانى * يا سيدي إن لم تغث سبانىوقال ذو النون المصري رحمه اللّه إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن اللّه يراه من حيث لا يرى اللّه فاستعن باللّه عليه ، وعن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « قال إبليس لربه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت الأرواح فيهم قال له ربه وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني » وقال بعضهم : عداوة الشيطان لك نعمة عظيمة من اللّه عليك ؛ إذ من مقتضاها أن لا يغفل عنك وأن يبذل جهده في محاربتك ومقاتلتك بنفسه وبجنده وبخيله وبرجله ، ولا طاقة لك على مقاتلته بنفسك لأنك في غاية الضعف والعجز فيضطرك الحال لا محالة إلى الاستعانة عليه بمولاك القوى المتين فيوجد منك حينئذ الالتجاء إليه والانتصار به والتوكل عليه في دفعه عنك ، فعداوة الشيطان هي التي ردك الحق تعالى بها إليه وجمعك بها عليه ، وهذا هو غاية المقصود لكن قال العلامة الشرقاوي هذا في حق غير المحبوبين الذين صرفوا همتهم إلى جناب الحق . أما هم فلا يحتاجون إلى عدو يحوشهم ، لأن تعلقهم به تعالى كالطبيعى فيهم فلا يلتفتون إلى إبليس ، ولولا أمر اللّه تعالى لهم بالاستعاذة منه ما استعاذوا منه ، ومن هو حتى يستعاذ باللّه منه كما تقدم عن أبي سليمان الدارانى وغيره ( وعلمت جهالة هذه النفس ) الأمارة بالسوء ( وجماحها ) واعتزازها وغلبتها ( إلى ما يضرها و ) ما ( يهلكها ) ولا تعرف عاقبتها ( فنظرت إليها رحمة ) ورأفة ( لها نظر العقلاء ) أي كنظرهم ( و ) نظر ( العلماء الذين ينظرون في العواقب ) أي في أواخر أمرهم ( لا ) نظرت إلي هذه الأمارة بالسوء ( نظر الجهال والصبيان الذين ينظرون في الحال ) ولا ينظرون في المآل ( ولا يفطنون ) أي لا يفهمون ( لغائلة الأذى ) الغائلة الشر كما في سراج السالكين ( وينفرون ) بفتح الياء