تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وعلمت أنّ الشّيطان خبيث قد تجرّد لمعاداتك فاستعذ بربّك القادر القاهر من هذا الكلب اللّعين ولا تغفل عن مكايده ومصايده فتطرده بذكر اللّه سبحانه ولا تعبأنّ بذلك ، فإنّه يسير إذا ظهرت منك عزيمة الرّجال ، وإنّه كما قال اللّه تعالى :
( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) .
شرح
ليخطئك ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج من الكرب ، وأن مع العسر يسرا » ( وعلمت أن الشيطان ) اللعين ( خبيث ) مخبيث ( قد تجرد ) وتمحض ( لمعاداتك ) وإغوائك وإضلالك ( فاستعذ بربك القادر ) على كل شئ ( القاهر ) أي المستولى على جميع الأشياء الظاهرة والباطنة ( من ) وساوس ( هذا الكلب اللعين ) المرجوم بالنجم المطرود من رحمة اللّه ( ولا تغفل عن مكايده ومصايده ) أي اللعين ( فتطرده بذكر اللّه سبحانه ) وتعالى . قال مصنفنا حجة الإسلام وغيره : ولا يمحو وسوسة الشيطان إلا ذكر ما سوى ما يوسوس به لأنه إذا خطر في القلب ذكر شئ انعدم منه ما كان فيه من قبل . ولكن كل شئ سوى اللّه تعالى وسوى ما يتعلق به ، فيجوز أيضا أن يكون مجالا للشيطان ، وذكر اللّه هو الذي يؤمن جانبه ، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال ، ولا يعالج الشئ إلا بضده ليكون مخرجا له ومبطلا أثره ، وضد جميع وساوس الشيطان ذكر اللّه تعالى بالاستعاذة والتبري عن الحول والقوة ، وهو معنى قولك : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الخاشعون الغالب عليهم ذكر اللّه تعالى في سائر أوقاتهم ، وإنما الشيطان يطوف عليهم في أوقات الفلتات والغفلات علي سبيل الخلسة والمخاتلة . قال اللّه تعالى« إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »وقال مجاهد في معنى قول اللّه تعالى« مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ »قال : هو منبسط على القلب ، فإذا ذكر اللّه تعالى خنس وانقبض ، وإذا غفل عن ذكر اللّه تعالى انبسط على قلبه هكذا نقله صاحب القوت ( ولا تعبأن ) أي ولا تبالى ( بذلك ) أي اللعين ( فإنه ) أي اللعين أي طرده ودفعه ( يسير ) غير عسير ( إذا ظهرت منك عزيمة ) أي قصد ( الرجال ) الكاملين ( وأنه ) أي الشيطان اللعين : أي شأنه ( كما قال اللّه تعالى )« فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ »( إنه ليس له ) أي لإبليس ( سلطان ) تسلط وولاية (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) لما أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالاستعاذة من الشيطان ، فكأن ذلك أوهم أن له قدرة على التصرف في أبدان بني آدم ، فأزال اللّه سبحانه وتعالى هذا الوهم بقوله« إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ »يعنى ليس له قدرة وولاية على أولياء اللّه تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه ، فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ؛ ولذلك أمروا بالاستعاذة . قال سفيان : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر ، ويظهر من هذا