تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
فإذا علمت ذلك جدّا زهدت في فضولها فلا تأخذ منها إلّا ما لا بدّ لك منه في عبادة ربّك وتدع التّنعّم والتّلذّذ إلى الجنّة ، دار النّعيم المقيم في جوار ربّ العالمين الملك القادر الغنىّ الكريم ، وعلمت أنّ الخلق لا وفاء لهم ، وأنّ مؤنتهم أكثر من معونتهم فيما يعنيك ، وتركت مخالطتهم إلّا فيما لا بدّ لك منه تنتفع بخيرهم وتجتنب من ضرّهم وتجعل صحبتك لمن لا تخسر في صحبته ولا تندم على خدمته ،
شرح
وسأله اللّه عن ذلك فسقط لحم وجهه من الحياء . وروى أن عيسى عليه السّلام مر بقبر فوكزه برجله وقال يا صاحب القبر قم بإذن اللّه ، فقام رجل من القبر وقال يا روح اللّه ما الذي أردت بي فانى لقائم في الحساب منذ سبعين سنة حتى سمعت الصيحة أن أجب روح اللّه ، فقال عيسى يا هذا لقد كنت كثير الذنوب والخطايا ، فما كان عملك ؟ فقال يا روح اللّه كنت حطابا أحمل الحطب على رأسي وآكل حلالا وأتصدق ، فقال عيسى : سبحان اللّه ! حطاب يحمل الحطب على رأسه ويأكل حلالا ويتصدق وهو قائم في الحساب منذ سبعين عاما ، ثم سأله عيسى عما قال له ربه في الحساب فقال يا روح اللّه كان من توبيخ ربى لي أن قال : أتذكر يوم أكراك عبدي فلان لتحمل له حزمة حطب فأخذت منه عودا وخللت به أسنانك وألقيت به في غير مكانه من الحزمة استهانة منك بي وأنت تعلم أنى أنا اللّه المطلع على فعلك ونيتك ، كذا ذكره الشعراني في التذكرة القرطبية ( فإذا علمت ذلك ) أي أن الدنيا لا بقاء لها ونفعها لا يفي بضرها ( جدا زهدت في فضولها ) أي الدنيا ( فلا تأخذ منها إلا ما لا بد لك منه في عبادة ربك وتدع ) أي تترك ( التنعم والتلذذ ) بأنواع المستلذات والمشتهيات في هذه الدار لتصل ( إلى التنعم والتلذذ في الجنة دار النعيم المقيم ) أي الدائم الذي لا ينعزل ( في جوار ) بكسر الجيم ( رب العالمين ) الذي هو مالكهم ومربيهم والقائم بأمورهم والمصلح لما يفسد منها ولا ملجأ لهم إلا إليه ( الملك ) بالجر نعت لما قبله : أي ذي الملك والمراد به القدرة على الإيجاد والاختراع ، أو المتصرف في جميع الأشياء يعز من يشاء ويذل من يشاء ولا يذل . وقال بعض المحققين : الملك هو الغنى مطلقا في ذاته وصفاته عن كل ما سواه ، ويحتاج إليه كل ما سواه ( القادر ) أي المتمكن من الفعل بلا معالجة ولا واسطة ( الغنى ) أي المستغنى عن كل شئ لا يفتقر إلى شئ ( الكريم ) أي المتفضل الذي يعطى من غير مسألة ولا وسيلة ، وقيل المتجاوز الذي لا يستقصى في العقاب ، وقيل المقدس عن النقائص والعيوب ( وعلمت أن الخلق لا وفاء لهم ، وأن مئونتهم ) أي مشقتهم ( أكثر من معونتهم ) أي إعانتهم ( فيما يعنيك وتركت مخالطتهم إلا فيما لا بد لك منه ، تنتفع بخيرهم ، وتجتنب من ضرهم ، وتجعل صحبتك لمن لا تخسر في صحبته ولا تندم ) من باب طرب ( على خدمته ) وطاعته وهو ربك وسيدك ومولاك
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 55 | السيد احمد بن زيني دحلان