تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
وأنّ نفعها لا يفي بضرّها وتبعاتها من كدّ البدن وشغل القلب في الدّنيا والعذاب الأليم والحساب الطّويل في الآخرة الّذى لا طاقة لك به ،
شرح
أمرت رجلا تعلق بهواها أن يذبحه فصنع ذلك وأهدى رأسه إليها في طست من ذهب طلبا لرضاها وقيل إن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان يحب بنت أخيه محبة شديدة ، وكان يقضى لها كل يوم حاجة فبلغ أمها أن سيدنا يحيى يحرم نكاح المحارم ، فقالت لها إذا طلب عمك منك قضاء حاجتك ، فقولي حاجتي اليوم قتل يحيى ، فقالت له ذلك ، فقال لها اطلبى غير ذلك لكونه استعظمه فأبت ففعل ، فعلى القول الأول إسناد القتل للمرأة حقيقة وعلى الأخير مجاز : أي تسببت . قال العزيزي يعنى أن قتل يحيى حصل من هوان الدنيا : يعنى لو كان شأنها راتبا وأمرها باقيا لكان الأنبياء أحق بالحياة والاحترام فيها والرعاية والوقاية ، لكنها دار هوان ( وأن نفعها لا يفي ) أي يقصر عنه ولا يوازيه ( بضرها وتبعاتها من كد البدن ) أي تعبه ( وشغل القلب في الدنيا و ) من ( العذاب الأليم ) أليم فعيل إما بمعنى مفعل بكسر العين : أي المؤلم بكسر اللام ، وإما بمعنى مفعل بفتح العين أي المؤلم بفتح اللام ويكون كناية عن شدة الألم حتى كأن العذاب هو المؤلم بفتح اللام ( والحساب الطويل ) للأعمال ( في الآخرة الذي لا طاقة ) أي لا قوة ( لك به ) أي بالحساب الطويل لشدته روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه كان يقول : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتهيئوا للعرض الأكبر ، وإنما يخفف الحساب على من حاسب نفسه في الدنيا ، وكان عطاء الخراساني رضى اللّه عنه يقول : بلغنا أن العبد الموحد يحاسب يوم القيامة بحضرة معارفه ليكون أشد عليه ، ذكره الحافظ أبو نعيم . وروى الترمذي مرفوعا « يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى معه أنه لم يقض بين اثنين في عمره قط » وروى الترمذي أيضا مرفوعا « تعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، فعند ذلك تتطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله » وهي العرضة الثانية كما في رواية . قال العلماء : والجدال خاص بأهل الأهواء ، فيجادل أحدهم حتى لا يعرض على ربه ، ويظنون أنهم إذا جادلوا نجوا وقامت حجتهم . وأما المعاذير فهي للّه تعالى ، ومن اللّه يعتذر الخلق إلى اللّه ، فيتقبل ممن شاء ويرد على من شاء ، ويعتذر الحق جل وعلا إلى آدم عليه السّلام وإلى نبينا وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ويقيم حجته عندهم على الأعداء ثم يبعثهم إلى النار ، فهو سبحانه وتعالى بحب أن يكون عذره عند أنبيائه وأوليائه ظاهرا حتى لا تأخذهم الحيرة ، ولذلك لا أحد أحب إليه المدح من اللّه ، ولا أحد أحب إليه العذر من اللّه . وقال بعض العلماء : إن العرضة الثالثة خاصة بالمؤمنين ، فيخلو بهم ربهم ويعاتبهم في تلك الخلوات حتى يذوب أحدهم من الحياء ويرفض عرقا بين يديه ، ثم يغفر لهم ويرضى عنهم . قال الشعراني : وبلغنا أن شخصا تاجرا وقعت عليه امرأة تشترى لها إزارا فكلمته فتحركت بشرته عليها ، فرأى في منامه أن القيامة قد قامت