وإلى هذا المعنى يشير ذو النّون رحمه اللّه حيث قال :
تصوّف فازدهى بالصّوف جهلا * وبعض النّاس يلبسه مجانه
يريك مهانة ويريك كبرا * وليس الكبر من شكل المهانه
تصوّف كي يقال له أمين * وما معنى تصوّفه الأمانه
ولم يرد الإله به ولكن * أراد به الطّريق إلى الخيانة
شرح
في الحلية ( وإلى هذا المعنى ) أي الذي قاله الحسن رحمه اللّه ( يشير ) أبو الفيض ( ذو النون ) المصري ( رحمه اللّه ) واسمه ثوبان بن إبراهيم ، وقيل الفيض بن إبراهيم وأبوه كان نوبيا ، توفى يوم الاثنين ودفن بالقرافة الصغرى بمصر سنة خمس وأربعين ومائتين ، فائق هذا الشأن وأوحد وقته علما وورعا وحالا وأدبا ، سعوا به إلى المتوكل فاستحضروه من مصر ، فلما دخل عليه وعظه فبكى المتوكل ورده إلى مصر مكرما ، وكان المتوكل إذا ذكر بين يديه أهل الورع يبكى ويقول :
إذا ذكر أهل الورع فحيهلا بذى النون ، وكان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية . ومن كلامه رحمه اللّه : مدار الكلام على أربع : حب الجليل ، وبغض القليل ، واتباع التنزيل ، وخوف التحويل . ومن كلامه أيضا : من علامات المحب للّه عز وجل متابعة حبيب اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه كذا قاله القشيري ( حيث قال ) من بحر الوافر ( تصوف ) المتصوف : هو الذي يجاهد لطلب درجة الصوفية ( فازدهى ) أي تكبر ( بالصوف ) أي بلبسه ( جهلا * وبعض الناس يلبسه ) أي الصوف ( مجانه ) بلا تصوف ، مجن الرجل مجنونا ومجانة ومجنا كان لا يبالي قولا وفعلا : أي هزل ضد جد ( يريك مهانة ) في لسان العرب : المهانة : الحقارة والصغر ( ويريك كبرا * وليس الكبر من شكل ) أي صورة ( المهانة . تصوف كي يقال له أمين ) أي مأمون ( وما معنى تصوفه الأمانة . ولم يرد ) أي المتصوف ( الإله ) جل وعز ( به ) أي بتصوفه ( ولكن * أراد ) المتصوف ( به الطريق إلى الخيانة ) مع الرياء والسمعة للناس وانتشار الصيت بينهم والشهرة واقتناص الأموال بطريق السؤال وأنواع الاحتيال ، وذلك لأن أكثر متصوفة هذه الأعصار لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال لفترات عرضتها ولم يقدروا على إزالتها ، ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة ووقفوا عن السير ومالوا إلى الغير ؛ وكانوا بطالين غير محترفين ولا مشغولين ، قد ألفوا البطالة ومالت نفوسهم إليها ، واستثقلوا العمل واستوعروا طريق الكسب ، واستلانوا جانب السؤال والتكفف ، فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم نافذ ، ولا تأديب للمريدين نافع ، ولا حجر عليهم قاهر يقهرهم عما لا يليق ، فلبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات من مياه جارية وأشجار مغروسة وفرش مبسوطة ، وربما تلقفوا ألفاظا مزخرفة من الطامات ؛ فينظرون إلى أنفسهم وقد تشهوا بالقوم في خرقهم وفي لفظهم