وربّنا سبحانه يقول :
( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )
ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خلق فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » وإنّ المفسّرين يقولون في قوله تعالى :
( لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي )
إنّ هذه هي الكلمات الّتى يقولها اللّه تعالى لأهل الجنّة في الجنّة بالّلطف والإكرام وما تكون حاله هذه ، فأنّى نبلغ جزءا من ألف ألف جزء منه ونحن بشر ، أو كيف يحيط به علم مخلوق ، كلّا بل تقاعدت الهمم ، وتقاصرت دونه العقول ، وحقّ أن يكون ذلك كذلك ، وهو عطاء العزيز العليم على مقتضى الفضل العظيم ، وحسب الجود القديم ، ألا فليعمل العاملون ، وليبذل المجتهدون جهدهم لهذا المطلوب العظيم ، وليعلموا أنّ ذلك كلّه أقلّ قليل في جنب ما هم إليه محتاجون ، وإيّاه يطلبون ، وله يتعرّضون ، وليعلموا أنّ العبد لا بدّ له في الجملة
شرح
التفاصيل ( وربنا سبحانه ) وتعالى ( يقول« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ » )أي مما تقر به أعينهم فلا يلتفتون إلى غيره . قال ابن عباس : هذا مما لا تفسير له ، وقيل أخفوا أعمالهم فأخفى اللّه ثوابهم ( ثم إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : خلق فيها ) أي في الجنة ( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) رواه الشيخان عن أبي هريرة ( وأن المفسرين يقولون في ) تفسير ( قوله تعالى لنفد البحر ) أي لنفد جنس البحر بأسره لأن كل جنس متناه ( قبل أن تنفذ كلمات ربى ) فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه ( أن هذه ) الكلمات التي لا تنفد ( هي الكلمات التي يقولها اللّه تعالى لأهل الجنة في الجنة باللطف والإكرام وما تكون حاله ) من النعيم ( هذه ) الحال المذكورة من عدم الحصر ( فأنى ) أي كيف ( نبلغ جزأ من ألف ألف جزء منه ) أي من النعيم الذي تكون حاله ما ذكر ( ونحن بشر ) أي آدمي ( أو كيف يحيط به علم مخلوق كلا ) أي لا نبلغ جزأ مما ذكر ولا يحيط به علم مخلوق ( بل تقاعدت الهمم ) جمع همة ( وتقاصرت دونه ) أي عنده ( العقول وحق أن يكون ذلك ) أي ما تكون حاله ما ذكر ( كذلك ) أي تقاعدت الهمم وتقاصرت عنده العقول ( وهو ) أي الذي تكون الحال ما ذكر ( عطاء العزيز العليم على مقتضى الفضل العظيم وحسب الجود القديم ، ألا فليعمل العاملون وليبذل المجتهدون جهدهم لهذا المطلوب العظيم وليعلموا ) أي العاملون والمجتهدون ( أن ذلك ) أي عملهم واجتهادهم ( كله أقل قليل في جنب ما هم إليه محتاجون ) من أنواع الكرامة ( وإياه يطلبون ) أي هؤلاء العاملون والمجتهدون ( وله يتعرضون وليعلموا أن العبد لا بد له في الجملة ) من غير تفصيل