تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا ولا عبدا صالحا ، أليس هؤلاء يعاتبون يوم القيامة ، إنّما أغبط من لم يخلق ؛ وعن عطاء السّلمىّ رحمه اللّه أنّه قال : لو أنّ نارا أوقدت وقيل من ألقى نفسه فيها صار لا شئ لخشيت أن أموت من الفرح قبل أن أصل النّار ، فالأمر إذن أيّها الرّجل شديد كما تقول ، بل هو أشدّ وأعظم ممّا تظنّ وتتوهّم ، ولكنّه أمر سبق في العلم القديم ، وتدبير أجراه العزيز العليم ، فلا حيلة للعبد إلّا بذل المجهود في العبوديّة والاعتصام بحبل اللّه والابتهال دائما إلى اللّه سبحانه ، عسى أن يرحمه فيسلم بفضله ، وأمّا قولك كلّ هذا لماذا ؟ فهذا كلام يدلّ منك على غفلة عظيمة ،
شرح
( ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا عبدا صالحا أليس هؤلاء يعاتبون يوم القيامة ) وفي النسخ الصحيحة يعاينون : أي يشاهدون أهوالها ( إنما أغبط من لم يخلق ) قال أبو نعيم في الحلية حدثنا أبو محمد ابن حيان حدثنا أحمد بن الحسين حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن عيسى عن فضيل بن عياض قال : ما أغبط ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا يعاين القيامة وأهوالها ما أغبط إلا من لم يكن شيئا نقله الزبيدي ( و ) روى ( عن عطاء السلمى رحمه اللّه ) كذا في أكثر النسخ والصواب السليمى بفتح المهملة وكسر اللام نسبة إلى سليمة بن مالك بن فهم بطن من الأزد زاهد مشهور ويقال له العبدي أيضا ذكره العلامة الزبيدي وكان من الخائفين المشهورين بالخوف حتى يقال إنه نسي القرآن من الخوف ، وكان إذا رأى تنورا يسجر يسقط مغشيا عليه من الخوف وإذا فرغ من وضوئه ارتعد وبكى شديدا وكان لدموعه حوله أثر البلل كأنه أثر الوضوء ولم يكن يسأل اللّه الجنة أبدا إنما كان يسأل العفو قاله صاحب الحلية ( أنه قال : لو أن نارا أوقدت ، وقيل من ألقى نفسه فيها ) أي في النار ( صار لا شئ لخشيت أن أموت من الفرح ) أي لأجله ( قبل أن أصل النار فالأمر إذن ) أي إذا علمت ما قاله عطاء السلمى وغيره ( أيها الرجل شديد كما تقول ) فيما تقدم : ما أعظم هذا الخطر وأشد هذا الأمر ( بل هو ) أي الأمر ( أشد وأعظم مما تظن وتتوهم ولكنه ) أي الأمر : أي شدته ( أمر سبق في العلم القديم وتدبير أجراه ) اللّه ( العزيز العليم فلا حيلة ) ولا تدبير . قال الفيومي : والحيلة الحذق في تدبير الأمور ، وهو تقليب الفكر حتى يهتدى إلى المقصود ( للعبد إلا بذل المجهود في العبودية والاعتصام ) أي الاستمساك ( بحبل اللّه ) يعنى القرآن ( والابتهال ) أي التضرع ( دائما إلى اللّه سبحانه عسى أن يرحمه ) اللّه ( فيسلم ) من العذاب ( بفضله ) تعالى ورحمته ( وأما قولك كل هذا ) العمل والجهد وتحصيل هذه الشرائط ( لماذا ) أي لأي شئ ( فهذا ) الذي تقوله ( كلام يدل منك على غفلة عظيمة