تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وقال تعالى :
( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
شرح
الدنيا وشدائد الآخرة ، وعنه أيضا قال في شدة من حمله وولادته ورضاعه وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته ، وأصل الكبد الشدة ، وقيل لم يخلق اللّه خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف الخلق ، وعن ابن عباس أيضا قال : الكبد الاستواء والاستقامة فعلى هذا يكون المعنى خلقنا الإنسان منتصبا معتدل القامة وكل شئ من الحيوان يمشى منكبا ، وقيل منتصبا رأسه في بطن أمه فإذا أذن اللّه في خروجه انقلب رأسه إلى أسفل ، وقيل في كبد : أي في قوة ( وقال تعالى« إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ )قال ابن عباس : أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها اللّه على عباده عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إذا أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم ، وقال ابن مسعود : الأمانة أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال والميزان وأشد من هذا كله الودائع وقيل جميع ما أمروا به ونهوا عنه ، وقيل هي الصوم وغسل الجنابة وما يخفى من الشرائع . وقال عبد اللّه ابن عمرو بن العاص : أول ما خلق اللّه من الإنسان الفرج وقال هذه الأمانة أستودعكها فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واليد أمانة والرجل أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له ، وفي رواية عن ابن عباس : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شئ لا في قليل ولا كثير فعرض اللّه تعالى هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟ قلن وما فيها ؟ قال إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن . قلن لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين اللّه تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة لأمره وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها والجمادات كلها خاضعة للّه عز وجل مطيعة لأمره ساجدة له . قال بعض أهل العلم : ركب اللّه تعالى فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن وأجبن بما أجبن ، وقيل المراد من العرض على السماوات والأرض هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها ، والقول الأول أصح وهو قول العلماء ( فابين أن يحملنها وأشفقن منها ) أي خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن بالعقاب ( وحملها الإنسان ) يعنى آدم . قال اللّه تعالى عز وجل لآدم : إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها . قال يا رب وما فيها . قال إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فتحملها آدم فقال بين أذني وعاتقي . قال اللّه : أما إذا تحملت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن لا تنظر إلى ما لا يحل فأرخ عليه حجابا وأجعل للسانك لحيين وغلاقا فإذا خشيت فأغلقه وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك . قال مجاهد : فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر ، وقيل إن ما كلف الإنسان حمله بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق اللّه تعالى من الأجرام وأقواه وأشده أن يحتمله ويستقل به فأبى