سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 520
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) ولذلك قال سيّد المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم : « لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا » . وما روى أنّ المنادى ينادى من قبل السّماء : « ليت الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا حمله وأشفق منه وحمله الانسان على ضعفه وضعف قوته ( إنه كان ظلوما جهولا » ) قال ابن عباس : إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وما تحمل من الأمانة ، وقيل ظلوما حين عصى ربه جهولا أي لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة ، وقيل ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ولم يف بضمانها . وقيل في تفسير الآية أقوال أخر : وهو أن اللّه تعالى ائتمن السماوات والأرض والجبال على كل شئ وائتمن آدم وأولاده على شئ فالأمانة في حق الأجرام العظام هي الخضوع والطاعة لما خلقن له ، وقوله « فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها » : أي أدين الأمانة ولم يخن فيها . وأما الأمانة في حق بني آدم فهي ما ذكر من الطاعة والقيام بالفرائض ، وقوله « وحملها الانسان » : أي خان فيها وعلى هذا القول حكى عن الحسن أنه قال الانسان هو الكافر والمنافق حملا الأمانة وخانا فيها ، والقول الأول هو قول السلف ، وهو الأولى ( ولذلك ) أي لأجل قوله وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا [ الكلام في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا » ] ( قال سيد المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم : لو علمتم ) كذا في النسخ الكثيرة وفي بعضها : لو تعلمون وهو نسخة العراقي وهو نص الجماعة المخرجين لهذا الحديث ( ما أعلم ) أي من انتقام اللّه من أهل الجرائم وأهوال القيامة ( لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ) أي كان ضحككم على القلة ، وقيل معناه لما ضحكتم أصلا ، وهذا لمناسبة السياق لأن لو حرف امتناع لامتناع وفيه من أنواع البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما بالآخر ، قال العراقي أخرجاه من حديث عائشة وأنس . وقال الزبيدي : أخرجه أيضا الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة كلهم عن أنس قال : خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطبة ما سمعت قط بمثلها ثم ذكره : وأخرج الحاكم في المستدرك من رواية يوسف بن حبان عن مجاهد عن أبي ذر رفعه « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما ساغ لكم الطعام والشراب » وقال على شرطهما ولم يخرجاه ، وتعقبه الذهبي بأنه منقطع ، ورواه أيضا من طريقه ابن عساكر في التاريخ بتلك الزيادة وأخرج الحاكم أيضا في كتاب الرقاق والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء رفعه « لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون لا تدرون تنجون أو لا تنجون » وقال الحاكم صحيح وأقره الذهبي . وقال الهيتمي : رواه الطبراني من طريق ابنة أبى الدرداء عن أبيها ولم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح . وأخرج الحاكم أيضا في الأهوال عن أبي هريرة رفعه « لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا يظهر النفاق وترتفع الأمانة وتقبض الرحمة ويتهم الأمين ويؤتمن غير الأمين أناخ بكم الشرف الجون : الفتن كأمثال الليل المظلم » وقال صحيح وأقره الذهبي ( وما روى أن المنادى ينادى من قبل السماء ) أي من جهتها ( ليت الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا