إلى نفسه ، فربّما يبقى في شعب من عقبة واحدة سبعين سنة ولا يقطعها ، وكم يصيح ويصرخ ، ما أظلم هذا الطّريق وأشكله ، وأعسر هذا الأمر وأعضله ، فإنّ الشّأن كلّه إلى أصل واحد ، وذلك تقدير العزيز العليم ، العدل الحكيم
فإن قلت : لم اختصّ هذا بالتّوفيق الخاصّ وحرم هذا ، وكلاهما مشتركان في ربقة العبوديّة ؟ فعند هذا السّؤال ينادى من سرادق الجلال : أن الزم الأدب واعرف سرّ الرّبوبيّة وحقيقة العبوديّة : ( فإنّه
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
) .
قلت أنا : ومثال هذا الطّريق في الدّنيا الصّراط في الآخرة ، في عقباتها ومسافاتها ومقاطعها ، واختلاف أحوال الخلق فيها ، فمنهم من يمرّ عليه
شرح
( إلى نفسه فربما يبقى في شعب ) بالكسر الطريق وقيل الطريق في الجبل والجمع شعاب ( من عقبة واحدة سبعين سنة ولا يقطعها ) أي لا يتجاوزها ( وكم يصيح ويصرخ ) بمعنى واحد ( ما أظلم ) فعل تعجب ( هذا الطريق وأشكله وأعسر هذا الأمر وأعضله ) أي أشكله وأصعبه ( فإن الشأن كله إلى أصل واحد وذلك ) الأصل ( تقدير العزيز ) أي الغالب بقدرته على كل مقدور ( العليم ) أي البالغ في العدل وهو الذي لا يفعل إلا ما له فعله وهو مصدر نعت به للمبالغة فهو من صفات الأفعال ( الحكيم ) أي ذي الحكمة المحكم الأشياء على ما هي عليه والاتيان بالأفعال على ما ينبغي . فالحكمة بمعنى الأحكام ( فان قلت لم ) أي لأي شئ ( اختص هذا ) إشارة إلى من وفقه اللّه تعالى ( بالتوفاق الخاص وحرم ) أي منع ( هذا ) إشارة إلى من لا يوفقه اللّه تعالى ( وكلاهما ) أي هذين الرجلين ( مشتركان في ربقة العبودية ) الربقة في الأصل العروة التي يستوثق بها صغار الضأن وإضافتها لما بعدها للبيان : أي في ربقة هي العبودية أو من إضافة المشبه به للمشبه : أي في العبودية الشبيهة بالربقة ( فعند هذا السؤال ينادى ) بالبناء للمفعول ( من سرادق الجلال ) أي حجبه ( أن ألزم الأدب واعرف سر الربوبية وحقيقة العبودية ) وقد قيل : العبودية شهود الربوبية وهو سبب عظيم في دوام العبودية لأن العبد إذا توالت عليه مراقبته لجلال مولاه ذل في نفسه بالنظر لما هي عليه من جهة طبعها لا بالنظر لما خصها به ربها من كرامته وقيل : من علامات العبودية ترك التدبير وشهود التقدير ، وقال ذو النون المصري : العبودية أن تكون عبده في كل حال كما أنه ربك في كل حال ( فإنه ) تعالى ( لا يسئل عما يفعل ) أي عن حكمة ما يفعل سؤال تعنت ، وأما سؤال استرشاد فلا مانع له ( وهم ) أي العباد ( يسئلون . قلت أنا ومثال هذا الطريق ) أي طريق العبادة ( في الدنيا الصراط ) وهو جسر ممدود في متن جهنم ( في الآخرة في عقباتها ) أي هذه الطريق ( ومسافاتها ومقاطعها واختلاف أحوال الخلق فيها ) أي في تلك الطريق ( فمنهم من يمر عليه )