تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
فإنّك أنت الجواد الوهّاب ، فكما وهبت لنا مزيّة الإنعام في الابتداء ، فهب لنا رحمة الإتمام في الانتهاء ، أما تسمع - ويحك - أنّ أوّل دعاء علّمه ربّ العالمين عباده المسلمين ، الّذين اصطفاهم من بين خلقه ، هذا الدّعاء : قوله تعالى :
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
أي ثبّتنا عليه وأدمه لنا ، هكذا تتضرّع إليه فإنّ الخطب عظيم . وقيل : إنّ الحكماء نظروا فردّوا مصائب العالم ومحنهم كلّها إلى خمس المرض في الغربة ، والفقر في الشّيب ، والموت في الشّباب ، والعمى بعد البصر ، والفكرة بعد المعرفة ، وأحسن من ذلك قول من قال :
لكلّ شئ إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوض
شرح
فإنك أنت الجواد الوهاب فكما وهبت لنا مزية الإنعام ) أي فضيلته ، في المصباح المزية فعيلة ، وهي التمام والفضيلة ، ولفلان مزية أي فضيلة يمتاز بها عن غيره قالوا : ولا يبنى منه فعل وهو ذو مزية في الحسب والشرف أي ذو فضيلة والجمع مزايا مثل عطية وعطايا ( في الابتداء فهب لنا رحمة الاتمام في الانتهاء أما تسمع ويحك أن أول دعاء عليه رب العالمين عباده المسلمين الذين اصطفاهم ) أي اختارهم اللّه ( من بين خلقه هذا الدعاء ) وهو ( قوله تعالى« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »أي ثبتنا عليه ) أي على هذا الصراط ( وأدمه لنا ) وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى سؤال التثبت وطلب مزيد الهداية ، لأن الألطاف والهدايات من اللّه لا تتناهى ، وهذا مذهب أهل السنة ، والصراط : الطريق . قال جرير :أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيمأي على طريقة حسنة . قال ابن عباس : هو دين الإسلام ، وقيل هو القرآن وروى ذلك مرفوعا ، وقيل السنة والجماعة ، وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة ( هكذا ) أي مثل تضرعهم ( تتضرع ) أنت أيها الرجل ( إليه ) تعالى ( فان الخطب ) أي الأمر ( عظيم . وقيل إن الحكماء ) أي الواضعين الشئ في محله وهم الأولياء الصالحون ، وليس المراد بالحكماء هنا الأطباء بل المراد بهم أطباء القلوب ( نظروا فردوا مصائب العالم ) بفتح اللام ( ومحنهم ) أي العالمين ( كلها إلى خمس ) أحدها ( المرض في الغربة ) أي محل بعيد عن وطن المريض ( و ) ثانيها ( الفقر في الشيب ) أي ابيضاض الشعر المسود : يعنى في حال الكبر ( و ) ثالثها ( الموت في الشباب . و ) رابعها ( العمي بعد البصر . و ) خامسها ( النكرة ) أي الكفر ( بعد المعرفة ) أي بعد معرفة اللّه تعالى وإيمانه ( وأحسن من ذلك ) أي قول الحكماء ( قول من قال ) من بحر البسيط ( لكل شئ إذا فارقته عوض . وليس للّه إن فارقت ) دين اللّه بالنكرة ( من عوض ) وفي الإشارات عن اللّه سبحانه وتعالى