تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
فخافوا على أنفسهم حرقة الطّرد والإهانة ، ووحشة البعد والضّلالة ، ومرارة العزل والإزالة ، فتضرّعوا بالباب مستغيثين ، ومدّوا إليه الأكفّ مبتهلين ، ونادو في الخلوات مستصرخين : (
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
) . قلت أنا : تقديره - واللّه أعلم - أنّا وجدنا منك نعمة فطمعنا في أخرى ،
شرح
تعالى ( فخافوا على أنفسهم حرقة الطرد ) أي حرارته ( والإهانة ووحشة البعد والضلالة ومرارة العزل ) عن مجلس القرب ( والإزالة فتضرعوا بالباب ) أي باب رحمته ( مستغيثين ) أي مسنعينين ومستنصرين ( ومدوا إليه ) تعالى ( الأكف مبتهلين ) أي متضرعين ( ونادوا في الخلوات مستصرخين ومستغيثين ( ربنا لا تزغ قلوبنا ) أي لا تملها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ ( بعد إذ هديتنا ) أي وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك وهب لنا من لدنك رحمة أي أعطنا توفيقا وتثبتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى ، وقيل : هب لنا تجاوزا ومغفرة ( إنك أنت الوهاب ) الهبة العطية الخالية عن الأعواض والأغراض ، والوهاب في صفة اللّه تعالى أنه تعالى يعطى كل أحد على قدر استحقاقه . روى مسلم عن عبد اللّه بن عمرو ابن العاص رضى اللّه عنهما أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء . ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك » هذا من أحاديث الصفات ، وللعلماء فيه قولان : أحد الإيمان به ، وإمراره كما جاء من غير تعرض لتأويل ولا تكييف ولا لمعرفة معناه ، بل نؤمن به كما جاء وأنه حق ونكل علمه إلى مراد اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا القول هو مذهب أهل السنة من سلف الأمة وخلفها من أهل الحديث وغيرهم . والقول الثاني : أنه يتأول بحسب ما يليق به وأن ظاهره غير مراد . قال تعالى« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »فعلى هذا المراد هو المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفى بريد أنه تحت قدرته وفي تصرفه لا أنه حال في كفه ، فمعنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه منها شئ ولا يفوته ما أراد كما لا يمتنع علي الإنسان ما بين أصبعيه . فخاطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه بما يفهمونه ويعلمونه من أنفسهم ، وإنما ثنى لفظ الأصبعين والقدرة واحدة لأنه جرى على المعهود من التمثيل بحسب ما اعتادوه وإن كان غير مقصود به التثنية أو الجمع ، وهذا مذهب جمهور المتكلمين وغيرهم من المتأخرين إنما خص القلوب بالذكر لفائدة ، وهي أن اللّه تعالى جعل القلوب محلا للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات الأفعال . ثم جعل سائر الجوارح تابعة للقلوب في الحركات والسكنات ( قلت أنا تقديره واللّه أعلم : إنا وجدنا منك نعمة فطمعنا في ) نعمة ( أخرى