تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
ويوسف الصدّيق عليه السّلام يقول : ( توفّنى مسلما )
شرح
الثالث أن إبراهيم عليه السّلام سأل ربه أيضا أن يجنب بنيه عن عبادة الأصنام ، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم عليه السّلام . قلت : الجواب عن الوجوه المذكورة من وجوه : فالجواب عن الوجه الأول من وجهين : أحدهما أن إبراهيم عليه السّلام لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء ، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب وهذا موجود بحمد اللّه ولم يقدر أحد على خراب مكة ، وأورد على هذا ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » أخرجاه في الصحيحين وأجيب عنه بأن قوله «اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً» يعنى إلى قرب القيامة وخراب الدنيا ، وقيل : هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين فلا تعارض بين النصين . الوجه الثاني أن يكون المراد اجعل أهل هذا البلد آمنين ، وهذا الوجه عليه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر اللّه سبحانه وتعالى بقوله« وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ »وأهل مكة آمنون من ذلك ، حتى إن من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وماله من ذلك ، وحتى إن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت فإذا دخلت الحرم أمنت واستأنست لعلمها أنه لا يهيجها أحد في الحرم ، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد اللّه بمكة وحرمها . وأما الجواب عن الوجه الثاني فمن وجوه أيضا : الوجه الأول أن دعاء إبراهيم عليه السّلام لنفسه لزيادة العصمة والتثبت فهو كقوله« وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » .الوجه الثاني أن إبراهيم عليه السّلام وإن كان يعلم أن اللّه سبحانه وتعالى يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء هضما للنفس وإظهارا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل اللّه تعالى ورحمته وأن أحدا لا يقدر على نفع نفسه بشئ لم ينفعه اللّه به ، فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء . وأما دعاؤه لبنيه وهو الوجه الثالث من الإشكالات ، فالجواب عنه من وجوه : الأول أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه ولم يعبد أحد منهم صنما قط . الوجه الثاني : أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء ولا شك أن إبراهيم عليه السّلام قد أجيب فيهم . الوجه الثالث : قال الواحدي : دعا لمن أذن اللّه أن يدعو له فكأنه قال : وبنى الذين أذنت لي في الدعاء لهم لأن دعاء الأنبياء مستجاب وقد كان من بنيه من عبد الصنم ، فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص . الوجه الرابع أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده ، والدليل عليه أنه قال في آخر الآية« فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي »وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فليس منه ، واللّه أعلم بمراده وأسرار كتابه ذكره الخازن ( ويوسف الصديق عليه السّلام يقول : ) « أنت وليي في الدنيا والآخرة ( توفني مسلما » ) أي اقبضنى إليك مسلما . واختلفوا هل هو طلب للوفاة في الحال أم لا على قولين : أحدهما أنه سأل اللّه الوفاة في الحال . قال قتادة : لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف . قال أصحاب هذا القول وإنه لم يأت عليه أسبوع حتى توفى ، والقول الثاني أنه سأل الوفاة على الإسلام ولم يتمن الموت في الحال . قال الحسن : إنه