تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
كما قال الشّاعر :
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الّليالى فاغتررت بها * وعند صفو الّليالى يحدث الكدر
واعلم أنّك كلّما صرت أقرب فأمرك أخوف وأصعب ، والمعاملة أشدّ وأدقّ ، والخطر عليك أعظم ، فإنّ الشّىء كلّما كان أبلغ علوّا إذا انقلب كان أصعب وقوعا ، كما قيل :
ما طار طير فارتفع * إلّا كما طار وقع
فإذن لا سبيل إلى الأمن وإغفال الشّكر وترك الابتهال في الحفظ بحال ، وكان إبراهيم بن أدهم يقول : كيف تأمن وإبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه يقول : (
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
)
شرح
ومنه درج الصبى : إذا قارب بين خطاه في المشي ، ومنه درج الكتاب : إذا طواه شيئا بعد شئ ( كما قال الشاعر ) من بحر البسيط ( أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ) أي تلك الأيام ( ولم تخف سوء ما يأتي به القدر ) أي القضاء الذي يقدره اللّه تعالى ( وسالمتك الليالي فاغتررت بها ) أي تلك الليالي ( وعند صفو الليالي يحدث ) بضم الدال من باب قعد : أي يتجدد ( الكدر ) ويزول الصفاء ( واعلم أنك كلما صرت أقرب ) إلى اللّه تعالى ( فأمرك أخوف وأصعب والمعاملة ) أي العبادة ( أشد وأدق والخطر عليك أعظم فإن الشئ كلما كان أبلغ علوا إذا انقلب ) سفلا ( كان ) ذلك الشئ ( أصعب وقوعا كما قيل ) من بحر الكامل المضمر المجزوء ( ما طار طير فارتفع ) بسكون العين للوزن في طيرانه إلي السماء ( إلا كما طار ) ذلك الطير ( وقع ) بسكون العين أيضا : أي إلي الأرض

[ لا سبيل إلى الأمن وإغفال الشكر وترك الابتهال ، وما حكى عن إبراهيم بن أدهم في ذلك مما روى عن إبراهيم عليه السّلام وغيره من العارفين ]

( فإذن ) أي إذا كان الأمر كلما صار أقرب فهو أخوف وأصعب ( لا سبيل إلى الأمن وإغفال الشكر وترك الابتهال ) والتضرع ( في الحفظ بحال ) من الأحوال ( وكان إبراهيم بن أدهم ) بن منصور رحمة اللّه عليه ، توفى سنة إحدى وستين ومائة ( يقول : كيف تأمن ) ولا تخاف ( و ) نبي اللّه ( إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه يقول ) «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» ) يعنى أبعدنى وإياهم أن نعبدها . فان قلت : قد توجه على هذه الآية إشكالات وهي من وجوه : الأول أن إبراهيم دعا ربه أن يجعل مكة آمنة ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها . الوجه الثاني أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسّلام معصومون من عبادة الأصنام وإذا كان كذلك فما الفائدة في قوله اجنبنى عن عبادتها . الوجه
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 504 | السيد احمد بن زيني دحلان