سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 501
كنفثة في بحار الدّنيا بأسرها ؛ أما تسمع ويحك قوله تعالى لسيّد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلم : ( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) إلى أن قال له : ( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) . وقال تعالى لقوم : ( بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) الآية . أما تسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد سمع [ الكلام في قوله تعالى ( ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) وعلى قوله ( وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ) الآية ] ( كنفثة ) أي قطرة ( في بحار الدنيا بأسرها ) أي بأجمعها ( أما تسمع ويحك ) كلمة رحمة ( قوله تعالي لسيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم « ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) . اختلف العلماء في هذه الآية مع اتفاقهم على أن الأنبياء قبل النبوة كانوا مؤمنين ، فقيل معناه ما كنت تدرى قبل الوحي شرائع الإيمان ومعالمه . وقال محمد بن إسحاق عن ابن خزيمة : الإيمان في هذا الموضع الصلاة ، دليله « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » يعنى صلاتكم ولم يرد به الإيمان الذي هو الإقرار باللّه تعالى لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان قبل النبوة يوحد اللّه تعالى ويحج ويعتمر ويبغض اللات والعزى ولا يأكل ما ذيح على النصب وكان يتعبد على دين إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ولم تتبين له شرائع دينه إلا بعد الوحي إليه ( إلى أن قال ) اللّه تعالى ( له ) صلّى اللّه عليه وسلم « وأنزل اللّه عليك الكتاب والحكمة ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) من أحكام الشرع وأمور الدين ، وقيل علمك من علم الغيب ما لم تكن تعلم ، وقيل معناه وعلمك من خفيات الأمور وأطلعك علي ضمائر القلوب وعلمك من أحوال المنافقين وكيدهم ما لم تكن تعلم ( وكان فضل اللّه عليك عظيما ) يعنى ولم يزل فضل اللّه عليك يا محمد عظيما فاشكره على ما أولاك من إحسانه ومن عليك بنبوته وعلمك ما أنزل عليك من كتابه وحكمته وعصمك ممن حاول إضلالك فإن اللّه هو الذي تولاك بفضله وشملك بإحسانه وكفاك غائلة من أرادك بسوء ، ففي هذه الآية تنبيه من اللّه عز وجل لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على ما حباه من ألطافه وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه ( وقال تعالى لقوم ) من بنى أسد « يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ( بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ » ) أي للّه المنة عليم أن أرشدكم وأمدكم بتوفيقه حيث هداكم للايمان على ما زعمتم وادعيتم ، وهو قوله تعالى ( الآية ) أي إن كنتم صادقين يعنى في ادعاء الإيمان ، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله : أي فللّه المنة عليكم ، وفي سياق الآية لطائف هي أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به نفي أنه إيمان وسماه إسلاما أن قال يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام ، وليس بجدير أن يمن به عليك بل لو صح ادعاؤهم الإيمان فللّه المنة عليهم بالهداية له لا لهم . قاله القاضي ( أما تسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم وقد سمع