تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
عليهم بأن لا يلطخهم بقذرها ، حتّى قال عزّ من قائل لموسى وهارون عليهما السّلام : « ولو أشاء أن أزيّنكما بزينة ليعلم فرعون حين يراها أنّ مقدرته تعجز عنها لفعلت ، ولكنّى أزوى عنكما الدّنيا وأرغب بكما عنها ، وكذلك أفعل بأوليائي وإنّى لأذودهم عن نعيمها كما يذود الرّاعى الشّفيق إبله عن مبارك العرّة ، وإنّى لأجنّبهم سكونها وعيشها ، وليس ذلك لهوانهم علىّ ، ولكن ليستكملوا حظّهم من كرامتي » . وقال تعالى :
( وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ،
شرح
( عليهم بأن لا يلطخهم ) أي لا يلوثهم ( بقذرها ) أي الدنيا ( حتى قال عز من قائل لموسى وهارون عليهما السّلام ) لما بعثهما إلى فرعون : اسمع كلامي ، واسمع وصيتي لا يروعنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق بحرف ولا يطرف بلحظ ولا يتنفس إلا بإذني ولا يعجبنكما ما تمتع به منها ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنما هي زهرة الحياة الدنيا ( ولو أشاء أن أزينكما بزينة ) من الدنيا ( ليعلم فرعون حين يراها ) أي الزينة ( أن مقدرته ) أي فرعون ( تعجز عنها ) أي عن تلك الزينة ( لفعلت ) ذلك التزيين ( ولكني أزوى ) أي أقبض ( عنكما الدنيا وأرغب بكما عنها ) أي عن الدنيا ( وكذلك ) أي أزوى الدنيا ( أفعل بأوليائي وإني لأذودهم ) أي أطردهم ( عن نعيمها كما يذود ) أي يطرد ( الراعي الشفيق ) أي المشفق ( إبله عن مبارك العرة ) بالضم وهي الجرب . قال العلامة عبد الحق : ومبارك جمع مبرك موضع بروك البعير وهو كمدخل من دخل يدخل والبروك كالاضطجاع للانسان ، وفي لسان العرب : وفي حديث علقمة « لا تقربهم فإن على أبوابهم فتنا كمبارك الإبل » هو الموضع الذي يبرك فيه أراد أنها تعدى كما أن الإبل الصحاح إذا أنيخت في مبارك الجربى جربت انتهى ، وأيضا فيه العرة الجرب ( وإني لأجنبهم ) أي الأولياء ( سكونها ) أي الدنيا ( وعيشها ) يعنى ملاذها ( وليس ذلك ) أي تجنيبهم وتبعيدهم عن الدنيا ( لهوانهم على ولكن ليستكملوا حظهم ) أي نصيبهم ( من كرامتي ) سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم تنقصه . واعلم يا موسى أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ عندي من الزهد في الدنيا فإنها زينة الأبرار عندي إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخوف والخضوع والتقوى تثبت في قلوبهم وتظهر على أجسادهم فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي يستشعرون ونجاتهم التي بها يفوزون ورجاؤهم الذي إياه يأملون ومجدهم الذين يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون أولئك هم أوليائي حقا فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك كذا قاله وهب بن منبه وأورده صاحب الحلية وصاحب القوت ( وقال تعالى« وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً )أي
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 499 | السيد احمد بن زيني دحلان