فسلبناه جميع خلعنا وكراماتنا ، ونزعنا من قلبه معرفتنا ، فانسلخ عاريا من جميع ما آتيناه من فضلنا ، فصار كلبا طريدا ، وشيطانا رجيما مريدا ، نعوذ باللّه ثمّ نعوذ باللّه من سخطه وأليم عقابه ، إنّه بنا رؤوف رحيم ، ثمّ اقنع بمثال ملك يكرم عبدا له فيخلع عليه خاصّة ثيابه ويقرّبه منه ، ويجعله فوق سائر خدّامه وحجّابه ، وأمره بملازمة بابه ، ثمّ أمر أن يبنى له في موضع آخر القصور ، وترفع له الأسرّة وتنصب له الموائد ، وتزيّن له الجواري وتقام له الغلمان ، حتّى إذا رجع من الخدمة أجلس هنالك ملكا مخدوما مكرّما ، وما بين حال خدمته إلى ملكه وولايته إلّا ساعة من نهار أو أقلّ ؛ فإن أبصر هذا العبد بجانب باب هذا الملك سائسا للدّوابّ يأكل رغيفا ،
شرح
والجلال والكبرياء والقدرة والسلطنة ( فسلبناه جميع خلعنا ) بكسر الخاء المعجمة وفتح اللام :
أي جميع العطايا منا ( وكرامتنا ونزعنا من قلبه ) أي العبد السوء ( معرفتنا فانسلخ ) أي فخرج ( عاريا من جميع ما آتيناه من فضلنا فصار ) العبد السوء ( كلبا ) أي بمنزلته ( طريدا ) أي مطرودا ( وشيطانا رجيما ) أي مرجوما ( مزيدا ) بفتح الميم : أي عاتيا ( نعوذ باللّه ثم نعوذ باللّه من سخطه وأليم عقابه إنه ) تعالى ( بنا رؤوف رحيم ، ثم اقنع ) أي ارض واكتف ( بمثال ملك ) من الملوك ( يكرم عبدا له فيخلع ) أي يعطى الملك ( عليه ) أي على عبده ( خاصة ثيابه ) أي أحسن ثياب الملك ( ويقربه ) أي يقرب الملك ذلك العبد ( منه ) أي من الملك ( ويجعله ) أي ذلك العبد ( فوق سائر خدامه ) أي الملك ( وحجابه ) جمع حاجب مثل كافر وكفار وهو البواب لأنه يمنع من الدخول ( وأمره ) أي الملك عبده ( بملازمة بابه ) أي الملك ( ثم أمر أن يبنى له ) أي لذلك العبد ( في موضع آخر ) غير موضع الملك ( القصور ) جمع قصر ، وهو كل بيت من حجر كما قاله بعضهم ( وترفع له ) أي للعبد ( الأسرة ) جمع سرير ( وتنصب له الموائد ) جمع مائدة ( وتزين له ) أي لأجل هذا العبد ( الجواري ) جمع جارية ، وهي الفتية من النساء أو الخادمة الفتية منهن عبدة كانت أو حرة ، قيل لها ذلك لخفتها وكثرة جريها بخلاف العجوز والعامة تستعمل الجارية للعبدة من دون اعتبار السن ، وتجمع أيضا جاريات وأكثر استعمال الجارية للصغيرة من النساء في مقابلة الغلام من الرجال كذا في محيط المحيط ( وتقام له الغلمان ) جمع غلام ( حتى إذا رجع ) العبد ( من الخدمة ) أي خدمة الملك ( أجلس ) أي الملك ذلك العبد ( هناك ) أي في تلك القصور ( ملكا ) أي صار ملكا ( مخدوما مكرما ) بعد أن كان عبدا خادما ذليلا ( وما ) أي ليس ( بين حال خدمته ) لذلك الملك ( إلى ملكه وولايته إلا ساعة من نهار أو أقل فان أبصر هذا العبد ) المكرم بما ذكر ( بجانب باب هذا الملك ) الذي أكرمه ( سائسا ) ومصلحا ( للدواب يأكل ) أي السائس ( رغيفا