فأنّى يساوى هؤلاء الغافلون العاجزون ، مع أولئك السّعداء المجدّين المجتهدين ولذلك صار هؤلاء المساكين عن هذا الخير محرومين ، وأولئك المؤيّدون به ظافرين فائزين ، وكذلك قسّم الأمر أحكم الحاكمين سبحانه ، وهو أعلم العالمين ، فهذا تفصيل قوله تعالى :
( أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ )
فتفهّم وراعه حقّه ، واعلم أنّك لم تحرم قطّ خيرا أنت تتمنّاه إلّا من قبل نفسك ، فابذل مجهودك لتعرف قدر نعمة اللّه تعالى ، وتعظّمها حقّ تعظيمها فتكون أهلا لها ولإعطائها ، ثمّ يمنّ عليك بإبقائها كما منّ عليك بابتدائها على ما نذكره في الأصل الثّانى ، إنّه الرّءوف الرّحيم .
الأصل الثّانى : أنّ النعمة إنّما تسلب ممّن لا يعرف قدرها ، والّذى لا يعرف قدرها الكفور الّذى كفرها ، ولا يؤدّى شكرها .
شرح
كنت تتركه ؟ قال نعم . قال فلا تفرح بملك لا يساوى شربة ماء ، فبهذا تبين أن نعمة اللّه تعالى على العبد في شربة ماء عند العطش أعظم من ملك الأرض كلها ، والجاهلون لا يعرفون ذلك ( فأنى ) أي كيف ( يساوى هؤلاء الغافلون العاجزن مع أولئك السعداء المجدين المجتهدين ) بمعني واحد ( ولذلك ) أي لأجل أن عظم سرور هؤلاء الغافلين وكثرة حمدهم بالظاهر إذا حصل لهم درهم أو استقامت لهم كسرة أو غير ذلك ( صار هؤلاء المساكين ) الغافلون ( عن هذا الخير محرومين ) أي ممنوعين ( و ) صار ( أولئك المؤيدون ) أي الموفقون ( به ) أي بهذا الخير ( ظافرين فائزين وكذلك ) المذكور من جعل هؤلاء الغافلين عن هذا الخير محرومين وجعل أولئك المؤيدين به فائزين ( قسم الأمر أحكم الحاكمين ) أي أقضى القاضين وأعدل العادلين ( سبحانه وهو أعلم العالمين ، فهذا ) الذي ذكرناه ( تفصيل قوله تعالى« أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ »فتفهم ) التفصيل المذكور ( وراعه ) أي احفظه ( حقه ) أي هذا التفصيل ( واعلم أنك لم تحرم ) أي لم تمنع ( قط خيرا أنت تتمناه ) وترجوه ( إلا من قبل نفسك ) أي جهتها ( فابذل ) أيها الرجل ( مجهودك لتعرف قدر نعمة اللّه تعالى وتعظمها ) أي تلك النعمة ( حق تعظيمها فتكون أهلا لها ولاعطائها ثم يمن ) سبحانه وتعالى ( عليك بإبقائها ) أي النعمة ( كما من ) اللّه ( عليك بابتدائها على ما نذكره في الأصل الثاني إنه الرؤوف الرحيم ) وباللّه التوفيق .
( الأصل الثاني أن النعمة إنما تسلب ) بالبناء للمفعول ( ممن لا يعرف قدرها ) ورتبتها ( والذي لا يعرف قدرها الكفور الذي كفرها ) أي الجحود الذي جحدها ( ولا يؤدى ) أي ذلك الكفور ( شكرها ،