لا تزن عند اللّه أدنى نعمة من نعم الدّين ، ولا تساوى عنده جناح بعوضة ، فكان في ذلك بمنزلة الكلب الّذى لا يعرف الإكرام والرّاحة من الإهانة والمشقّة ، ولا الرّفعة والشّرف من الحقارة والخسّة ، فهو في الجالتين يلهث ، وإنّما الكرامة كلّها عنده في كسرة يطعمها أو عرق مائدة يرمى إليه ، سواء تقعده على سرير معك ، أو تقيمه في التّراب والقذر بين يديك ، فهمّته وكرامته ونعمته كلّها في ذلك ، فهذا العبد السّوء إذا جهل قدر نعمتنا ولم يعرف حقّ ما آتيناه من كرامتنا ، فكلّت بصيرته ، وساء في مقام القربة أدبه بالالتفات إلى غيرنا ، والاشتغال عن ذكر نعمتنا بدنيا حقيرة ولذة خسيسة ، فنظرنا إليه نظر السّياسة ، وأحضرناه ميدان العدل ، وأمرنا فيه بحكم الجبروت ،
شرح
لا تزن عند اللّه أدنى ) أي أقل ( نعمة من نعم الدين ولا تساوى ) أي الدنيا ( عنده ) تعالى ( جناح بعوضة ) كما روى أنه قال صلي اللّه عليه وسلم « لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى الكافر جرعة ماء » ( فكان ) أي العبد ( في ذلك ) أي في ميله إلي الدنيا الخسيسة ( بمنزلة الكلب الذي لا يعرف الإكرام والراحة من الإهانة والمشقة ولا ) يعرف ( الرفعة والشرف من الحقارة ) والذلة ( والخسة فهو ) أي الكلب ( في الحالتين ) أي حالة الإكرام وحالة الإهانة والرفعة والحقارة ( يلهث ) أي يدلع لسانه ، واللهث إدلاع اللسان عن النفس الشديد ، يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه من العطش وشدة الحر وعند الإعياء والتعب ( وإنما الكرامة كلها عنده ) أي الكلب ( في كسرة ) من خبز أو غيره ( يطعمها ) أي تلك الكسرة ( أو عرق مائدة ) أي عظامها ( يرمى إليه ) أي إلى الكلب ، في محيط المحيط : العرق العظم أكل لحمه أو أخذ عنه اللحم ، والجمع عراق وعراق نادر انتهى ، وأيضا فيه : العرق العظم بلحمه فإذا أكل لحمه فعراق أو كلاهما لكليهما . وقال أبو زيد العراق : قطعة من اللحم . قال ابن الأنباري : قول أبى زيد هو الصواب لأن العرب تقول أكلت العراق ولا تقول أكلت العظم انتهى ( سواء تقعده ) أي الكلب على سرير معك أو تقيمه في التراب والقذر بين يديك فهمته ) أي همة الكلب ( وكرامته ونعمته كلها ) بالرفع تأكيد ( في ذلك ) أي في كسرة يطعمها أو عرق مائدة يرمى إليه ( فهذا العبد السوء ) يعنى بلعم بن باعوراء ( إذا جهل قدر نعمتنا ولم يعرف حق ما آتيناه من كرامتنا فكلت ) أي عميت ( بصيرته وساء في مقام القربة أدبه بالالتفات ) والميل ( إلى غيرنا والاشتغال عن ذكر نعمتنا بدنيا حقيرة ولذة خسيسة فنظرنا إليه ) أي إلى هذا العبد السوء ( نظر السياسة ) والتدبير ( وأحضرناه ) أي العبد السوء ( ميدان العدل وأمرنا فيه بحكم الجبروت ) أي حكم العظمة