تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
شرح
يقوم بشكرها فالشكر فرع المعرفة فإذا جهل النعمة لم يعرفها وإذا لم يعرفها لم يشكر عليها وإذا لم يشكر انقطع مزيده ومن انقطع عنه المزيد فهو في نقصان ما ادعى ، وأيضا فإن لم يشكر النعم لجهله بها كفرها فإن كفرها أدركه العذاب الشديد إن لم تداركه نعمة من ربه ، ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها مجرد أن يقول بلسانه : الحمد للّه الشكر للّه من غير فهم معنى ما يقول ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهي طاعة اللّه عز وجل فلا يمنع من الشكر بعد حصول المعرفتين . الأولي معرفة النعمة ، والثانية معرفة بمعنى الشكر عليها إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان .

[ الغفلة عن النعم لها أسباب ]

أما الغفلة عن النعم فلها أسباب وأحد أسبابها أن الناس بجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة فلذلك لا يشكرون على النعم التي في أعضائهم في حركاتها وسكناتها لأنها عامة للخلق مبذولة لهم في جميع أحوالهم فلا يرى كل واحد لنفسه اختصاصا به فلا يعده نعمة ولا تراهم يشكرون اللّه على روح الهواء ، ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا ولو حبسوا في بيت حمام فيه هواء حار ولا منفذ له أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غما ، فان ابتلى أحد منهم بشئ من ذلك ثم نجا ربما قدر ذلك نعمة وشكر اللّه عليها ، وهذ غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة ثم ترد عليهم في بعض الأحوال ، والنعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر من النعمة في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحة بصره إلا إن تعمى عينه ، فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحس به وشكره وعده نعمة ، ولما كانت رحمة اللّه واسعة عمم الخلق وبذل لهم في جميع الأحوال فلم يعده الجاهلون فغفلوا عن الشكر عليها ، وهذا الجاهل مثل العبد السوء حقه أن يضرب دائما لمخالفة سيده في أوامره ونواهيه حتى إذا ترك ضربه ساعة تقلد به منة فان ترك ضربه على الدوام غلبه البطر وترك الشكر فصار الناس لا يشكرون إلا المال الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم في سائر أحوالهم ، كما شكا بعضهم فقره لبعض أرباب البصائر وأظهر شدة اغتمامه به ، فقال له أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال : لا ، فقال أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال لا ، فقال أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا ؟ فقال : لا . فقال أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ فقال لا ، فقال أما تستحى أن تشكو مولاك وله عندك عروض بخمسين ألفا .

[ ما حكى أن بعض الفقراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا رما رآه في المنام ]

وحكى أن بعض الفقراء اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا ، فرأى في المنام كأن قائلا يقول له تود أنا أنسيناك من القرآن سورة الأنعام وأن لك ألف دينار ؟ قال : لا . قال فسورة هود ؟ قال لا . قال فسورة يوسف ؟ قال لا ، فعدد عليه سورا ثم قال فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو ، فأصبح وقد سرى عنه همه : أي انكشف وزال ، ودخل ابن السماك على بعض الخلفاء العباسية وبيده كوز ماء يشربه ، فقال له عظني ، فقال لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل جميع أموالك وإلا بقيت عطشانا فهل كنت تعطيه ؟ قال نعم ، فقال لو لم تعط إلا بملكك كله فهل