بل في سنة مرّة ، بل في عمره كلّه مرّة ، عدّ ذلك أكبر منّة وأعظم نعمة ، وكم يسرّ ، وكم يشكر اللّه تعالى ولا يكترث بما قاساه من المشقّات وكابد من اللّيالى وهجر من اللّذّات فيها ، ثمّ ترى الّذى يزعم أنّه راغب في العبادات يحبّ أن يحصّل منها شيئا ، لو احتاج أحدهم تحصيل مثل هذه العبادة الصّافية إلى نقصان لقمة من عشائهم أو ترك كلمة لا تعنيهم ، أو نوم ساعة من أعينهم فلا تسمح أنفسهم بذلك ، ولا تطيب قلوبهم ، وإن اتّفق لهم في النّادر حصول عبادة في صفوة فلا يعدّونه خطير أمر ولا يقدّمون فيه كثير شكر ؛ وإنّما يعظم سرورهم ويكثر بالظّاهر حمدهم إذا حصل لهم درهم ، أو استقامت لهم كسرة وطابت لهم مرقة ، أو طالت لهم في سلامة البدن رقدة فيقولون عند ذلك : الحمد للّه هذا من فضل اللّه ،
شرح
بل في سنة مرة بل في عمره كله مرة عد ذلك ) أي الظفر بما ذكر ( أكبر منة وأعظم نعمة وكم يسر ) أي يفرح الذي يظفر بما ذكر ( وكم يشكر اللّه تعالى ولا يكترث ) أي لا يبالي ( بما قاساه من المشقات وكابد ) أي تعب ( من الليالي وهجر ) أي ترك ( من اللذات فيها ) أي في الليالي ( ثم ترى الذي يزعم أنه راغب في العبادات يحب أن يحصل ) بضم الياء وفتح الحاء المهملة وكسر الصاد المشددة من التحصيل ( منها ) أي العبادات ( شيئا لو احتاج أحدهم ) أي الذين يزعمون ذلك ( تحصيل مثل هذه العبادة الصافية ) من المكدرات ( إلى نقصان لقمة من عشائهم ) بفتح العين ، وهو الطعام الذي يؤكل في العشية ( أو ) إلى ( ترك كلمة لا تعنيهم ) أي لا تهمهم ولا تنفعهم ( أو ) إلى ( دفع نوم ساعة عن أعينهم فلا تسمح أنفسهم بذلك ) أي نقصان اللقمة من العشاء أو ترك الكلمة التي لا تنفع أو دفع النوم في وقت من الأوقات ( ولا تطيب قلوبهم وإن اتفق لهم في النادر حصول عبادة في صفوة فلا يعدونه ) أي حصول تلك العبادة ( خطير ) أي عظيم ( أمر ولا يقدمون فيه ) أي في حصول ذلك ( كثير شكر وإنما يعظم سرورهم ويكثر بالظاهر حمدهم إذا حصل لهم درهم أو استقامت لهم كسرة ) أي قطعة من الشئ المكسور ومنه الكسرة من الخبز ( أو طابت لهم مرقة ) في محيط المحيط : المرق من الطعام السائل الرخو منه ، والمرقة من الطعام المرق ، وهي أخص منه ( أو طالت لهم في سلامة البدن ) وصحته ( رقدة ) أي نومة ( فيقولون عند ذلك ) أي عند حصول ما ذكر من الدرهم أو استقامة الكسرة أو طيب المرقة أو طول الرقدة ( الحمد للّه ) الشكر للّه ( هذا ) أي حصول ما ذكر ( من فضل اللّه ) ورحمته ، وذلك لأنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها إذ من لم يعرفها كيف