تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
شدّة يصبر عليها الشّاكر ، وتوفيق الصّابر والعصمة نعمة يشكر عليها الصّابر ، فأحدهما لا ينفكّ عن الآخر ، ولأنّ البصيرة الباعثة عليهما واحدة ، وهي بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا ، فمن هذه الوجوه قلنا إنّ أحدهما لا ينفكّ عن الآخر
شرح
أي لذلك الكفران ( شدة يصبر عليها ) أي الشدة ( الشاكر وتوفيق الصابر والعصمة نعمة يشكر عليها ) أي على تلك النعمة ( الصابر فأحدهما ) أي الصبر والشكر ( لا ينفعك عن الآخر ولأن البصيرة الباعثة ) أي الحاملة ( عليهما ) أي الصبر والشكر ( واحدة وهي ) أي الباعثة الواحدة ( بصيرة الاستقامة في قول بعض علمائنا ) رحمهم اللّه ( فمن هذه الوجوه ) التي ذكرناها ( قلنا إن أحدهما ) أي الصبر والشكر ( لا ينفك عن الآخر ) بل هما متلازمان . قال صاحب القوت : فأما تفصيل التفضيل فعلى ثلاثة أوجه : أحدها أن المقامات أعلى من الأحوال وقد يكون الصبر والشكر حالين وقد يكونان مقامين فمن كان مقامه الصبر وكان حاله الشكر عليه فهو أفضل لأنه صاحب مقام ؛ ومن كان مقامه الشكر وكان حاله الصبر عليه فحاله مزيد لمقامه فقد صار مزيدا للشاكر في مقامه والوجه من التفضيل المقربون أعلى مقاما من أصحاب اليمين فالصابرون من المقربين أفضل من الشاكرين من أصحاب اليمين ، والشاكرون المقربون أفضل من الصابرين من أصحاب اليمين . فان قيل : فإن كان الشاكر والصابر من المقربين فأيهما أفضل عندك ؟ فقد قلنا إن اثنين لا يتفقان في مقام من كل وجه لانفراد الوجه بمعاني لطائف اللطيفة بمثل ما انفردت الوجوه بلطيفة الصفة مع تشابه الصفات واشتباه الأدوات وأفضلهما حينئذ أعرفهما لأنه أحبهما إليه تعالى وأقر بهما منه وأحسنهما يقينا لأن اليقين أعز ما أنزل اللّه عز وجل ، ثم قال : وجه آخر من بيان التفضيل . نقول : إن الصبر عما يوجب الشكر أفضل وإن الشكر على ما يوجب الصبر أفضل ، وهذا يختلف باختلاف الأحوال ، تفسيره أن الصبر عن حظ النفس وعن التنعم والترفه أفضل إن كان عبدا حاله النعمة فالصبر عن النعيم والغنى مقام في المعرفة ، وهو أفضل لأن فيه الزهد المجمع على تفضيله ونقول إن الشكر على الفقر والبلاء والمصائب أفضل إن كان عبدا حاله الجهد والبلاء فالشكر عليه مقام له في المعرفة فهو حينئذ أفضل ، لأن فيه الرضى المتفق على فضله ، وقال في موضع آخر من كتابه : ومن الناس من يقول إن الصبر أفضل من الشكر وليس يمكن بينهما تفضيل عند أهل التحصيل من قبل أن الشكر مقام لجملة من الموقنين ، والترجيح بين جماعة على جماعة لا يصح من قبل تفاوتهم في اليقين والمشاهدات لأن بعض الصابرين أفضل من بعض الشاكرين بفضل معرفته وحسن صبره ، وخصوص الشاكرين أفضل من عموم الصابرين لحسن يقينه وعلو شهادته ، ولكن تفصيل ذلك من طريق الأحوال والمقامات ، أنا نقول ، واللّه أعلم : إن الصبر عن النعيم أفضل لأن فيه الزهد والخوف وهما أعلى المقامات وإن الشكر على المكاره أفضل لأن فيه البلاء والرضى وإن الصبر على الشدائد والضراء أفضل من الشكر على النعم والسراء من قبل أنه أشق على النفس وأن الصبر مع حال الغنى والمقدرة أن يعصى بذلك أفضل من الشكر على النعم من