تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
قلت أنا : الشّاكر بالحقيقة لا يكون إلّا صابرا ، والصّابر بالحقيقة لا يكون إلّا شاكرا ، لأنّ الشّاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر عليها لا محالة ولا يجزع فإنّ الشّكر تعظيم المنعم على حدّ يمنع من عصيانه ، والجزع عصيان ، والصّابر لا يخلو من نعمة ، كما ذكرنا أنّ الشّدائد نعم بالحقيقة على المعنى المتقدّم فإنّه شكر بالحقيقة إذا صبر عليها ، لأنّه حبس نفسه عن الجزع تعظيما للّه تعالى ، وهذا هو الشّكر بعينه إذ هو تعظيم يمنع عن العصيان ، ولأنّ الشّاكر يمنع نفسه عن الكفر إن صبر عن المعصية وحمل نفسه على الشّكر وصبر على الطّاعة ، فصار صابرا بالحقيقة ، والصّابر عظّم اللّه تعالى حتّى منعه تعظيمه عن الجزع فيما أصابه وحمله على الصّبر ، فقد شكر اللّه تعالى فصار شاكرا بالحقيقة ، ولأنّ حبس النّفس عن الكفران مع قصد النّفس له
شرح
في الثناء ، وزاد أيوب بما تقدم من المدح والوصف الذي لا يقوم له شئ ، وذلك من قوله تعالى« وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ »إلى قوله « أواب » وجعل في أول وصف سليمان بأنه وهبه لأبيه دواد فصار حسنة من حسنات داود ، واشتمل قوله : «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» على أول وصفه وأوسطه وهو آخر وصف أيوب عليهم السّلام أجمعين كذا حققه العلامة الزبيدي .

[ الشاكر بالحقيقة لا يكون إلا صابرا ، والصابر بالحقيقة لا يكون إلا شاكرا ]

( قلت أنا : الشاكر بالحقيقة لا يكون إلا صابرا والصابر بالحقيقة لا يكون إلا شاكرا ) ومهما قوبلت معرفة الشاكر بمعرفة الصابر ربما رجعا إلى معرفة واحدة إذ معرفة الشاكر أن يرى نعمة العينين مثلا من اللّه تعالى فيشكر ، ومعرفة الصابر أن يرى العمى من اللّه فيصبر ، وهما معرفتان متلازمان متساويتان كما أشار إلى ذلك بقوله ( لأن الشاكر في دار المحنة لا يخلو من محنة يصبر ) أي الشاكر ( عليها ) أي تلك المحنة ( لا محالة ولا يجزع ) أي ذلك الشاكر ( فإن الشكر تعظيم المنعم علي حد يمنع من عصيانه ؛ والجزع عصيان والصابر لا يخلو من نعمة كما ذكرنا ) وهو ( أن الشدائد نعم بالحقيقة على المعنى المتقدم ) وهو أنها تعرض العبد لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة وأعواض كريمة في العاقبة يتلاشى في جنبها مشقة هذه الشدائد ( فإنه شكر بالحقيقة إذا صبر عليها ) أي الشدائد ( لأنه حبس نفسه عن الجزع تعظيما للّه تعالى وهذا ) أي حبس النفس عن الجزع تعظيما للّه تعالى ( هو الشكر بعينه إذ هو ) أي الشكر ( تعظيم يمنع عن العصيان ، ولأن الشاكر يمنع نفسه عن الكفران ) والجحود للنعمة ( فصبر عن المعصية وحمل نفسه على الشكر وصبر على الطاعة فصار ) الشاكر ( صابرا بالحقيقة والصابر عظم اللّه تعالى حتى منعه تعظيمه عن الجزع فيما أصابه ) من البلاء ( وحمله ) تعظيمه ( على الصبر فقد شكر اللّه تعالى فصار ) الصابر ( شاكرا بالحقيقة ، ولأن حبس النفس عن الكفران مع قصد النفس له )