تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨
شرح
والمعنى كما في الخازن أن من صبر على تحمل الشدائد في طلب الآخرة ولم يظهر الجزع والعجز فان اللّه تعالى يحبه ؛ ومحبة اللّه للعبد عبارة عن إرادة إكرامه وإعزازه وإيصال الثواب له وإدخاله الجنة مع أوليائه وأصفيائه ، وقد رفع علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه الصبر على أرفع مقامات اليقين فقال في حديثه الطويل الذي وصف فيه شعب الايمان : والصبر على أربع دعائم : على الشوق والاشفاق والزهد والترقب ؛ فمن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن اشتقاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب ، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات ، فجعل هذه المقامات أركان الصبر لأنها توجد عنه ، ويحتاج إليه في جميعها وجعل الزهد أحد أركانه . وأما قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر » رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة ، فهو دليل على أن الفضيلة في الصبر ، إذ ذكر ذلك في معرض المبالغة لرفع درجة الشكر فألحقه بالصبر فكان هذا منتهى درجته ، ولولا أنه فهم من الشرع علو درجة الصبر لما كان إلحاق الشكر به مبالغة في الشكر ، وهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الجمعة حج المساكين وجهاد المرأة حسن التبعل » وكقوله صلّى اللّه عليه وسلم « شارب الخمر كعابد الوثن » ودائما المشبه به ينبغي أن يكون أعلى رتبة من المشبه وإلا لما حسن وجه التشبيه ، فكذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « الصبر نصف الإيمان » لا يدل على أن الشكر مثله ، وهو كقوله عليه الصلاة والسّلام « الصوم نصف الصبر » فان كل ما ينقسم قسمين يسمى أحدهما نصفا وإن كان بينهما تفاوت في الدرجات كما يقال الإيمان هو العلم والعمل فالعمل هو نصف الإيمان فلا يدل ذلك على أن العلم يساوى العمل ، وفي الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « آخر الأنبياء دخولا الجنة سليمان بن داود عليهما السّلام لمكان ملكه ، وآخر أصحابي دخولا الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه » وفي خبر آخر « يدخل سليمان بعد الأنبياء بأربعين خريفا » وفي الخبر : « أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء أمامهم أيوب عليه السّلام » وكل ما ورد في فضائل الفقر يدل على فضيلة الصبر لأن الصبر حال الفقير والشكر حال الغنى ، فهذا هو المقام الذي يقنع العوام ويكفيهم في الوعظ اللائق بهم والتعريف لما فيه صلاح دينهم ، إذ ليس صرف عن ظواهر الكتاب والسنة . وقال آخرون هما : أي الصبر والشكر سيان في الدرجة والمقام لا فضيلة لأحدهما على الآخر ، إذ كل منهما مقام وليس يمكن الترجيح بين مقامين لأن في كل مقام طبقات متفاوتة وهذا مذهب القدماء من العلماء ، إذ سئل بعضهم عن عبدين ابتلى أحدهما فصبر وأنعم علي الآخر فشكر ، فقال كلاهما سواء لأن اللّه تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر شاكر بثناء واحد فقال في وصف أيوب عليه السّلام « نعم العبد إنه أواب » وقال في وصف سليمان عليه السّلام ن « عم العبد إنه أواب » وهذا المذهب مرجوح لأن هذا غفلة عن لطائف الأفهام وذهاب عن حقيقة تدبر الكلام ، إذ بين ثناء اللّه تعالى علي أيوب عليه السّلام في الفضل على ثنائه على سليمان عليه السّلام ثلاثة عشر معني وشرك سليمان عليه السّلام بعد ذلك في وصفين آخرين ، وأفرد أيوب عليه السّلام بفضل ثناء ثلاثة عشر : أول ذلك قوله تعالى في مدحه« وَاذْكُرْ » *فهذه كلمة مباهاة باهى
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 478 | السيد احمد بن زيني دحلان