شرح
بأيوب عليه السّلام وعند رسوله المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وشرفه وفضله بقوله تعالى« وَاذْكُرْ » *يا محمد فأمره بذكره والاقتداء به كقوله تعالى« فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ »قيل هم أهل الشدائد والبلاء منهم أيوب عليه السّلام قرضوا بالمقاريض ونشروا بالمناشر وكانوا سبعين نبيا ، وقيل هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهؤلاء آباء الأنبياء وأفاضلهم كقوله تعالى« وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ »وكقوله« وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ »يعنى أصحاب القوة والتمكين وأهل البصائر واليقين ، ثم رفع أيوب إلى مقامهم فضمه إليهم وجعله سلوة له صلّى اللّه عليه وسلم ثم ذكره إياه وذكر به ثم قال « عبدنا » فأضافه إليه إضافة تخصيص وتقريب ولم يدخل بينه وبينه لام تعريف فيقول عبدا لنا فألحقه بنظرائه من أهل البلاء في قوله « واذكر عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب » وهم أهل البلاء الذين باهى بهم الأنبياء وجعل من ذرياتهم الأصفياء فأضاف أيوب إليهم في حسن الثناء ، وفي لفظ التذكرة به في الثناء ، ثم قال « نادى ربه » فأفرد بنفسه لنفسه ، وانفرد له في الخطاب بوصفه وقال «مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» فوصفه بمواجهة التملق له ولطيف المناجاة فظهر له بوصف الرحمة فاستراح إليه فناداه فشكا إليه واستغاث به فأشبه مقامه مقام موسى ويونس عليهما السّلام في قولهما «تُبْتُ إِلَيْكَ *» وفي قول الآخر «لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» وهذا خطاب المشاهدة ونظر المواجهة ، ثم وصفه بالاستجابة له وأهله بكشف الضر عنه وجعل كلامه سببا لتنفيذ قدرته ومكانا لمجارى حكمته ومفتاحا لفتح إجابته ، ثم قال بعد ذلك كله «وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ» فزاد على سليمان عليه السّلام في الوصف إذ كان بين من وهب لأهله وبين من وهب له أهله فضل في المدح ، لأنه قال في وصف سليمان «وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ» فأشبه فضل أيوب في ذلك على سليمان كفضل موسى على هارون عليهم السّلام لأنه قال في فضل موسى عليه السّلام وتفضيله على هارون عليه السّلام «وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» وكذلك قال في مدح داود «وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ» فوهب لموسى أخاه كما وهب لداود ابنه ، وأشبه مقام أيوب في المباهاة والتذكرة به مقام داود عليه السّلام ، لأنه قال أيضا في وصفه لنبيه صلي اللّه عليه وسلم « اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود » وكذلك قال في نعت أيوب «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ» فقد شبه أيوب بداود وموسى عليهما السّلام في المعنى ورفعه إليهما في المقام وهما في نفوسنا أفضل من سليمان عليه السّلام فأشبه أن يكون حال أيوب أعلى من حال سليمان عليهما السّلام وعلم اللّه المقدم ولكن هذا ألقى في قلوبنا واللّه أعلم ، ثم قال بعد ذلك « رحمة منا » فذكر نفسه ووصفه عند عبده تشريفا له وتعظيما ، ثم قال «وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ *» فجعله إماما للعقلاء وقدوة لأهل الصبر والبلاء وتذكرة وسلوة من الكروب للأصفياء ، ثم قال عز وجل« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً »فذكر نفسه سبحانه ذكرا ثانيا لعبده ووصل اسمه باسمه حبا له وقربا منه لأن النون والألف في وجدناه اسمه تعالى ، والهاء اسم عبده أيوب ، ثم قال : صابرا فوصفه بالصبر فأظهره مكانه في القوة ثم قال في آخر أوصافه «نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» فهذا أول وصف سليمان وآخره هاهنا شركه