تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
قيل : لأن أنعم فأشكر أحبّ إلىّ من أن أبتلى فأصبر ، وقيل : بل الصّابر أفضل لأنّه أعظم مشقّة ، فيكون أعظم ثوابا وأرفع منزلة ، قال اللّه تعالى :
( إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ ) .
وقال تعالى :
( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) .
وقال تعالى :
( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) .
شرح
أي لأجل أن الشاكر في منزلة الانعام والعافية ( قيل لأن أنعم ) بنعمة ( فأشكر أحب إلي من أن ابتلي ) ببلاء ( فأصبر ، وقيل بل الصابر أفضل ) من الشاكر وظاهر الكتاب والسنة يدلان عليه ( لأنه ) أي الصابر ( أعظم مشقة فيكون أعظم ثوابا وأرفع منزلة ) أي رتبة ( قال اللّه تعالى« إِنَّا وَجَدْناهُ )أي علمناه : أي أيوب عليه السّلام ( صابرا ) على البلاء نعم قد شكا إلى اللّه ما به واسترحمه . لكن الشكوى إلى اللّه لا تسمى جزعا ، فقد قال يعقوب عليه السّلام « إنما أشكو بثي وحزنى إلى اللّه » على أنه عليه السّلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة حيث كان الشيطان يوسوس إليهم أنه لو كان نبيا لما ابتلى بمثل ما ابتلى به وإرادة القوة على الطاعة فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلا القلب واللسان ( نعم العبد » ) أيوب « إنه أواب » وهذا مدح لأيوب عليه السّلام بصبره على البلاء ، وذلك يقتضى تفضيل الصبر على الشكر فإن الشكر وإن وردت أخبار كثيرة في فضله ، فإذا أضيف إليه ما ورد في فضيلة الصبر كانت فضائل الصبر أكثر بل فيه ألفاظ صريحة في التفضيل ، أما من الكتاب فكقوله تعالى« أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا »فالشاكر يؤتى أجره مرة فأشبه مقام الصبر مقام الخوف وأشبه مقام الشكر مقام الرجاء ، وقد قال تعالى« وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ »وقد اتفقوا على تفضيل الخوف على الرجاء من حيث اتفق أهل المعرفة على فضل العلم على العمل ، فالصبر من مقامه الخوف وقرب حال الصابر في الفضل من مقامه ، والشكر حال من مقامات الرجاء كذلك يقرب حال الشاكر من مقامه ، ومن السنة كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أوتى خصلة منها لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار » فقرب الصبر باليقين الذي لا شئ أعز منه ولا أجل وارتفاع الأعمال وعلو العلوم به ، وفي الخبر : « يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه اللّه جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أما ترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب ، فيقول اللّه تعالى : كلا أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين » كذا أورده صاحب القوت . ( و ) قد يفضل الصبر على الشكر بوجه آخر : وهو أن الصبر حال البلاء والشكر حال النعمة والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق ( قال تعالى« إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ») والشاكر يؤتى أجره بحساب لأنه إنما هو تحقيق الوصف ونفى ما عداه ( وقال تعالى« وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ») .
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 477 | السيد احمد بن زيني دحلان