تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
بدليل قوله تعالى :
( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ )
فجعلهم أخصّ الخواصّ . وقال في مدح نوح عليه السّلام : ( إنّه كان عبدا شكورا ) وقال في إبراهيم عليه السّلام : شاكرا لأنعمه ) ولأنّه في منزلة الإنعام والعافية ، ولذلك
شرح
وقد ذهب إليه بعض العارفين ورجحوه بسبع ترجيحات : أحدها أن اللّه تعالى تسمى بهما جميعا فجاء في الحديث الذي أخرجه الترمذي الصبور وجاء في كتاب اللّه الشكور ، فكما قيل في الصبور مضمن في الشكور وزاد عليه بثنائه على نفسه وعلى عباده بكلامه القديم ولا يوجد مثل هذا في اسمه الصبور . الثاني النظر في سببهما وسبب الصبر معرفة الآلاء وسبب الشكر معرفة ذي النعماء وشتان بين المعرفتين . الثالث النظر في حالهما فحال الصبر استدعاء المكابدة والمجاهدة للغلبة وحال الشكر استدعاء الفرح برؤية المنة والخادم الفرح أفضل من المتكلف عند المخدوم . الرابع النظر في أعمالهما فعمل الصبر محنة وابتلاء وعمل الشكر نعمة مشكور عليها عند الشاكر ، وفرق بين من شهد التكاليف محنة وابتلاء فيصبر عليه ، وبين من يراها نعمة تشوقه إلى جوار اللّه تعالى فيشكر عليها . الخامس النظر في علاجهما وعلاج الصبر رؤية الجزاء للظفر وعلاج الشكر رؤية المريد لطاعة المجيد . السادس النظر في استدامتهما في السلوك فالشكر مستحب للسالك في كل مقام وحال من الأحوال والمقامات لا نهاية لها ، فالشكر على ذلك لا نهاية له والصبر ينقطع عنه أول مقام من مقامات الرضا بالاجماع من مشايخ السلوك . السابع النظر في الاستدامة المطلقة إذ لو فرضنا أن الصبر دائم لكان إلى الموت والشكر في الآخرة من المؤمن والكافر . قال اللّه تعالى« وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ ، عَنَّا الْحَزَنَ »وقال تعالى« يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ »فهذا يعم المؤمن والكافر ، فهذه سبع ترجيحات كافية للمتأمل ، فهكذا ينبغي أن يكون الترجيح بين شيئين إذا رجح أحدهما عمل في الارتقاء ، كذا قاله الكمال أبو بكر محمد بن إسحاق الصوفي في كتابه مقاصد المنجيات ونقلة الزبيدي . وبهذا الذي ذكره ظهرت فضيلة الشاكر على الصابر ( بدليل قوله تعالى« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ») المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا وكدحا ، وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما من يشكر على أحواله كلها ، وقيل من يشكر على الشكر ، وقيل من يرى عجزه عن الشكر كذا ذكره النسقى ( فجعلهم ) أي الشكورين ( أخص الخواص . وقال ) سبحانه وتعالى ( في مدح نوح عليه السّلام « إنه ) أي نوحا (كانَ عَبْداً شَكُوراً» ) يحمد اللّه تعالى على مجامع حالاته وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره وحث للذرية على الاقتداء به ( وقال ) عز من قائل ( في ) مدح ( إبراهيم عليه ) الصلاة و ( السّلام « شاكرا لأنعمه » ) تعالى ، يعني أنه عليه السّلام كان شاكرا للّه على أنعمه التي أنعم بها عليه . قال القاضي : ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة فكيف بالكثيرة ( ولأنه ) أي الشاكر ( في منزلة الإنعام والعافية ولذلك
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 476 | السيد احمد بن زيني دحلان