تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
فكذلك حكم هذه الشّدائد ، أما ترى أنّ النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم كيف حمد اللّه وشكره على الشّدائد كشكره على المسارّ حيث قال : « الحمد للّه على ما ساء وسرّ » أما ترى كيف يقول جلّ جلاله :
( فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً )
وما سمّاه اللّه خيرا فهو أكثر ممّا يبلغه وهمك ، وممّا يؤكّد هذا القول أنّ النّعمة ليست خيرا عن الّلذّة وما تشتهيه النّفس بمقتضى الطّبع ، وإنّما هو ما يزيد في رفعة الدّرجات ، ولذلك تسمّى نعمة بمعنى الزّيادة ، وإذا كانت الشّدّة ممّا تصير سببا في زيادة شرف العبد ورفعة درجته ، فتكون نعما بالحقيقة وإن كانت تعدّ في الشّدائد والمحن بظاهرها ، فاعلم بذلك موفّقا . فإن قلت : فالشّاكر أفضل أم الصّابر ؟ فاعلم أنّه قيل : إنّ الشّاكر أفضل
شرح
من المال وغيره ( فكذلك ) أي مثل الدواء المذكور ( حكم هذه الشدائد . أما ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كيف حمد اللّه وشكره على الشدائد كشكره ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( على المسار ) أي ما يسره ويفرح به ( حيث قال : الحمد للّه ) أي كل الحمد له لا يستحقه غيره ( على ما ساء ) أي أحزن ( و ) ما ( سر ) أي أفرح ( أما ترى كيف يقول ) اللّه ( جل جلاله «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) وهو جميع ما كلفوا به فان الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم ( ويجعل اللّه فيه ) أي في ذلك الشئ ( خيرا كثيرا ) لفظة عسى توهم الشك مثل لعل وهي من اللّه يقين ، وقيل إنها كلمة مطمعة فهي لا تدل على حصول الشك للقائل وتدل على حصول الشك للمستمع ، وقيل ربما كان الشئ شاقا في الحال وهو سبب المنافع الجليلة في المستقبل ومثله شرب الدواء المر فإنه ينفر عنه الطبع في الحال ويكرهه ، لكن يتحمل هذه الكراهة والمشقة لتوقع حصول الصحة في المستقبل ( وما سماه اللّه خيرا فهو أكثر مما يبلغه وهمك ومما يؤيد هذا القول ) أي قول الآخرين ( أن النعمة ليست خبرا ) أي عبارة كما قاله العلامة عبد الحق ( عن اللذة وما تشتهيه النفس بمقتضى الطبع وإنما هو ) أي النعمة ( ما يزيد في رفعة الدرجات ولذلك ) أي لأجل أن النعمة ما يزيد في رفعة الدرجات ( تسمى نعمة بمعنى الزيادة وإذا كانت الشدة ) والمحنة والمصيبة ( مما تصير سببا في زيادة شرف العبد ورفعة درجته فتكون ) أي الشدة ( نعما بالحقيقة وإن كانت تعد ) أي تلك الشدة ( في الشدائد والمحن ) بكسر الميم جمع محنة المصائب ( بظاهرها ) أي ظاهر تلك الشدة ( فاعلم ذلك ) أن كون تلك الشدة نعما بالحقيقة ( موفقا .

[ هل الشاكر أفضل من الصابر ؟ ]

فإن قلت : فالشاكر أفضل أم الصابر ؟ فاعلم أنه ) اختلف العلماء في ذلك فقد ( قيل إن الشاكر أفضل ) من الصابر